إني جاعل في الأرض خليفة

قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} وقال عز وجل: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 28] وقال عز من قائل: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ} [ص: 71] .

نرى أن (جاعل) جاءت في سورة البقرة، أما في سورتي الحجر وص، فجاءت (خالق) والفرق أن في سورة البقرة توجه الخطاب إلى وظيفة هذا المخلوق الجديد، أما في الحجر وص فتوجه الخطاب إلى مجرد خلقه، ولم تتم الإشارة إلى وظيفته، وقلنا فيما سبق أن ذكر الوظيفة في إعمار الأرض بمنهج الله ورد في سورة البقرة تناسقاً مع المرحلة المدنية. ولذلك جاء في البقرة خليفة، وفي الحجر وص: بشراً من حمإ، وبشراً من طين، ذلك أن الحديث في البقرة عن كون هذا البشر المخلوق قادراً على إعمار الأرض بمنهج الله تعالى، ولذلك لم يرد ذكر هذا في الحجر وص، أما فيهما فالحديث عن معصية إبليس وتكبره وكفره وتفصيل ذلك، وأن سبب معصيته هو الحسد لطبيعة خلق آدم وطبيعة خلقه هو.

والجعل يختلف عن الخلق؛ ذلك بأن الخلق هو الإيجاد من عدم، أو إيجاد الشيء على غير مثال سابق، أما جعل الشيء فهو خلقه لوظيفة له، أو توجيهه لأمر معين بعد خلقه.

ومثلاً نجد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ الله الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] أن المقصود من خلق النفس الثانية هو خلق زوج آدم من آدم، بدليل قوله تعالى: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء} أي أن الله تعالى بث البشر من آدم وحواء.

بينما نجد في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 189-190] استخدام الجعل وليس الخلق، وواضح من الآية أنها لا تعني آدم وزوجه، بل تعني الجنس الإنساني من الذكور والإناث عموماً، بدليل قوله تعالى في الآية التي تلتها: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء} وسيدنا آدم عليه السلام وزوجه لم يجعلا لله شركاء.

أما قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 20-21] فإن الآية واضح فيها أصل الخلق وهو آدم، بدليل قوله تعالى: {خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ} ونحن لم نخلق من تراب، وإنما أبونا آدم عليه السلام هو الذي خلق من تراب، فأصل خلقنا من تراب، أما نحن فقد خلقنا من ماء، قال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ} [السجدة: 7-8] وقال عز وجل: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق: 5-7] يتضح لنا هذا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} [الحج: من 5] .

ولا بد من الاهتمام بهذا الأمر في القرآن الكريم وفي السنة النبوية لتدرك العقول أن الله تعالى عندما خلق الخلق فإنه جعل للكل وظيفة في الحياة الدنيا، ووجه الجميع لأداء تلك الوظيفة ليسير الخلق على صراطه المستقيم مؤدين ما أراده جل وعلا منهم، وما الشذوذ والانحراف والتخلف إلا بالتخلي عن تلك الوظيفة، والضلال عن ذلك الصراط قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: (خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطًّا، وَخَطَّ عَنْ يَمِينِهِ خَطًّا، وَخَطَّ عَنْ يَسَارِهِ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ» ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا فَقَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ» ، وَقَرَأَ {أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} فَتَفَرَّقَ بِكُمْ) [البزار وغيره] .

ولنأخذ الآيات التي ذكرناها مثالاً على ما نقول: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 189] فقد قلنا أن الآية تعني الجنس الإنساني، والتوجيه فيها الذي لا بد من الانتباه إليه هو أن الله تعالى جعل العلاقة في الجنس الإنساني الذي يتكون من الذكر والأنثى ما بين هذين الجنسين، وهذا هو التوجيه الطبيعي لها بدليل قوله تعالى: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا} والحمل لا يحصل إلا من ذكر وأنثى، والخروج عن توجيه الطبيعة الإنسانية في هذه الآية هو الانحراف والشذوذ الذي لا يخفى على كل ذي لب.

ولذلك فإن الإنسان مأمور أن يعرف منهج الله تعالى ليعمل به، وأن يكون معياره في النظر إلى الواقع من حيث صلاحه أو فساده؛ هو هذا المنهج.

ذلك أن الله تعالى خلق الخلق وجعل لكل ما خلق ما يصلحه، فإن كان الخلق مختاراً كالإنسان فإنه قادر على أن يسلك منهج الله أو يحيد عنه، وإن كان المخلوق غير مختار كالشجر والبهائم، فإن على الإنسان أن يسير بها في الحياة وفق منهج الله الذي جعله لإصلاحها.

ولذلك فإن جعل الله تعالى آدم خليفة -على خلاف ما ذكر في الآيات الأخرى من خلق- هو توجيه لهذا الإنسان الذي خلقه الله تعالى وتحديد لوظيفته في الأرض وفي الحياة الدنيا، أنه خلقه الله ليكون خليفة يُصلح في الأرض ولا يفسدها ولا يكون هذا طبعاً إلا بمنهج الله تعالى.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.