آدم؛ خليفة بمنهج الله تعالى

أراد الله تعالى أن يكون آدم عليه السلام خليفة في الأرض، ولسنا بحاجة كبيرة لمعرفة ماذا سيكون هذا الخليفة، وبماذا سيرعى الأرض، وإلام سيحتكم؟ لأن هذا واضح بشكل لا خلاف فيه، من قوله تعالى ومن رد الملائكة ومن إثباته جل وعلا لهم أن هذا الخليفة ليس كما قالوا أنه سيفسد بل سيصلح.

أضف إلى ذلك ما ورد في ختام قصة آدم في موضعين من القرآن الكريم:

الأول في سورة البقرة: {قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}

الثاني في سورة طه: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}

فالآيتان فيهما دلالة على أمرين مهمين:

الأول: وجوب اتباع هدى الله تعالى في الأرض التي هبطوا إليها، وقرينة ذلك هي التهديد بالعقاب.

الثاني: اتباع آدم عليه السلام لهدى الله تعالى يتناسب مع كونه الخليفة الذي خلقه الله ليكون في الأرض.

أما اختلاف (تبع) في سورة البقرة عن (اتّبع) في سورة طه، فإن تبع جاءت فيما يتعلق بهدى الله في الإيمان ولذلك تبعه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرواْ} وهو الذي لا يستدعي كثرة توقف وتكلف، أما (اتّبع) في سورة طه، فإنها جاءت فيما يتعلق بهدى الله فيما يحتاج إلى تكلف في أخذه أو تلقيه والالتزام به كما يجب، يقول الغرناطي: (أن تبع واتّبع محصلان للمعنى على الوفاء، وتبع: فعل وهو الأصل واتبع فرع عليه لأنه يزيد عليه وهو منبئ عن زيادة في معنى فعل بمقتضى التضعيف فعلى هذا وبحسب لحظه ورعيه ورد فمن تبع وفمن اتّبع وتقدم في الترتيب المتقرر فمن تبع لإنبائه عن الاتباع من غير تعمل ولا تكلف ولا مشقة، وأما اتبع فإن هذه البنية أعنى بنية افتعل تنبئ عن تعمل وتحميل للنفس فقدم ما لا تعمل فيه وأخر اتبع لما يقتضيه من الزيادة ولم تكن إحدى العبارتين لتعطى المجموع، فقدم ما هو أصل وأخر ما هو فرع عن الأول وكلاهما هدى ورحمة وورد كل على ما يناسب ويلائم) [ملاك التأويل لابن الزبير الغرناطي، 1/191، دار الغرب الإسلامي]

وفي تهذيب اللغة: (وَأما التَّتبُّع فَأن يتتبَّع فِي مُهْلة شَيْئا بعد شَيْء. وَفُلَان يتتبَّع مساوىء فلَان وأثَره، ويتتبَّع مَدَاقّ الْأُمُور، وَنَحْو ذَلِك. قَالَ: والتَبَع: مَا تبِع أثر شَيْء فَهُوَ تَبَعه( [تهذيب اللغة للأزهري، 2/282، الدار المصرية للتأليف والترجمة]

ولم يقتصر الأمر في الخلافة على الأرض من أجل إصلاحها ومن فيها بمنهج الله تعالى، على سيدنا آدم عليه السلام وحده، بل كان هو الأول، أما السلسلة البشرية في الاستخلاف للقيام بمنهج الله تعالى فمستمرة، ولا يجوز أن تنقطع، لأن الخليفة هو من يخلف غيرَه ويخلفه غيرُه، قال القرطبي في تفسيره: (وخَلِيفَةً يَكُونُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، أَيْ يَخْلُفُ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْأَرْضِ، أَوْ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ غَيْرِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَا رُوِيَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةً بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مُخْلَفٍ، كَمَا يُقَالُ: ذَبِيحَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ) [الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي، 1/395، مؤسسة الرسالة]

قال عز وجل: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26]

(جَعْلُهُ تَعالى داوُدَ خَلِيفَةً في الأرْضِ يَدُلُّ عَلى مَكانَتِهِ – عَلَيْهِ السَّلامُ – عِنْدَهُ واصْطِفائِهِ، ويَدْفَعُ في صَدْرِ مَن نَسَبَ إلَيْهِ شَيْئًا مِمّا لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ. واحْتَمَلَ لَفْظُ خَلِيفَةٍ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: تَخْلُفُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، أنْ يُعْلِيَ قَدْرَكَ بِجَعْلِكَ مَلِكًا نافِذَ الحُكْمِ، ومِنهُ قِيلَ: خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ. واسْتُدِلَّ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى احْتِياجِ الأرْضِ إلى خَلِيفَةٍ مِنَ اللَّهِ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ، بَلْ لُزُومُهُ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ والإجْماعِ) [البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، 7/378 دار الكتب العلمية]

وقال عز من قائل: {وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] وتمكين الدين جعله موضع التنفيذ والسيادة كما حصل في المدينة المنورة بعدما هاجر إليها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.

وقال جل وعلا: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا الله وَلَوْلَا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلله عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} وتتناسب هذه الآيات مع الوضع المدني والخلافة في الأرض، فهي كما قدمنا في كلمة (الهجرة: التحول العظيم) لمن أراد الرجوع إليها، وهذه أول آية نزلت في الطريق إلى المدينة وهي في الإذن بالقتال. وتبعها واقع الحرب وأنها من دفع الناس بعضهم ببعض، ولولا هذا الدفع لراح ذكر الله تعالى وعبادته، ومن ينصر الله فالله ينصره. إذ إن الحرب التي تقوم على الإصلاح وهي آخر الكي تكون علاجاً ناجعاً لمن لا يفهمون إلا لغتها، أما الحروب العالمية وتلك التي تقوم على العنصريات والتطهير العرقي واستعمار البلاد لنهب خيراتها فهي دمار وتخلف وانحطاط وهي أدنى ما وصلت إليه البشرية في بهيميتها، بل أدنى من البهيمية لأن البهائم كما يقولون لا تتقاتل إلا لتأكل، فالدين من هذه الحروب بريء، ولله در شوقي عندما قال:

الحرب في حقّ لديك شريعة ،،،،، ومن السموم الناقعات دواء

ثم تبع الآيتين وصف الذين مكّنهم الله في الأرض، والتمكين من المكان وهو إقرار في مكان وفيه ظفر وسيطرة، مما يعطي المعنى الطبيعي للخلافة وهي التمكن من أجل إقامة شرع الله تعالى.

يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} : (هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي نَصْبِ إِمَامٍ وَخَلِيفَةٍ يُسْمَعُ لَهُ وَيُطَاعُ، لِتَجْتَمِعَ بِهِ الْكَلِمَةُ، وَتَنْفُذُ بِهِ أَحْكَامُ الْخَلِيفَةِ. وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَلَا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْأَصَمِّ حَيْثُ كَانَ عَنِ الشَّرِيعَةِ أَصَمَّ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ وَاتَّبَعَهُ عَلَى رَأْيِهِ وَمَذْهَبِهِ، قَالَ: إِنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فِي الدِّينِ بَلْ يَسُوغُ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْأُمَّةَ متى أقاموا حجهم وَجِهَادَهُمْ، وَتَنَاصَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَبَذَلُوا الْحَقَّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَقَسَمُوا الْغَنَائِمَ وَالْفَيْءَ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَقَامُوا الْحُدُودَ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُنَصِّبُوا إِمَامًا يَتَوَلَّى ذَلِكَ) [المرجع السابق]

أما رأي أبي بكر الأصم فرأي غريب، إذ كيف يتصور أن يقوم الناس بشئونهم وأن يتوافقوا على كل شيء في حياتهم بلا حاكم يحكمهم ويسوسهم ويرعاهم ويفصل في خلافاتهم؟

وللفائدة فإن الأصم لا يعد الوحيد في هذا الرأي الشاذ، وقد كفانا الدميجي عناء البحث وذكر تلخيصاً في ذلك وهو: (اتفق السواد الأعظم من المسلمين على وجوب نصب الإمام، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا النجدات من الخوارج، والأصم، والفوطي من المعتزلة. وفي هذا يقول الإمام ابن حزم: اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم) [الإمامة العظمى لعبد الله الدميجي، ص 45، دار طيبة للنشر والتوزيع، وقد ذكر المراجع لمن أراد الاستزادة والتفصيل]

روي عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: (أَنَّهَا قَالَتْ يَوْمًا لِمَنْ عِنْدَهَا: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا دَعَاكُمْ دَاعِيَانِ دَاعٍ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَدَاعٍ إِلَى سُلْطَانِ اللَّهِ فَقَالُوا: نُجِيبُ الدَّاعِيَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ: لَا، بَلُ أَجِيبُوا الدَّاعِيَ إِلَى سُلْطَانِ اللَّهِ، فَإِنَّ كِتَابَ اللَّهِ مَعَ سُلْطَانِهِ) [مسند إسحق بن راهويه، وفيه راو لم يسمّ بين أرطأة بن المنذر وأم سلمة إذ قال بقية (عن أرطأة عمن حدثه) ]

ولعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، ما يشبهه إذ روي أَنَّهُ قَالَ لِجُلَسَائِهِ يَوْمًا: (كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا خَرَجَ فِيكُمْ دَاعِيَانِ دَاعٍ، يَدْعُو إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَدَاعٍ يَدْعُو إِلَى سُلْطَانِ اللَّهِ فَأَيُّهُمْ تُجِيبُونَ؟ قَالُوا: نُجِيبُ الدَّاعِيَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِذَنْ تَهْلِكُوا وَتَضِلُوا بَلْ أَجِيبُوا الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى سُلْطَانِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ سُلْطَانِهِ وَكِتَابِهِ) [رواه ابن زنجويه في الأموال]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

جزاك الله خيرا

تعليق شخص بتاريخ 13 يونيو، 2018

وإياك، بارك الله فيك

تعليق مدونة وارثون بتاريخ 22 يونيو، 2018

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.