الخروج من الجنة

كلمتنا اليوم هي آخر كلمة من كلمات رمضان باعتبار عدته كاملة، وكانت قد جهزت ليلة العيد، ولكن أرجأت إنزالها لانشغال الجميع بعيد الفطر، وفيها آخر وقفة مع قصة خلق سيدنا آدم عليه السلام.

وفيها سنبحث إجابة هذا التساؤل: هل كان سيدنا آدم عليه السلام سيهبط إلى الأرض لو لم يعص الله ويأكل من الشجرة؟ وبشكل آخر: هل سنكون نحن -ذرية آدم- في الجنة لو لم تحصل المعصية؟

ولأن موضوعها يحتاج إلى أمثلة وشرح، خاصة لأبنائنا وبناتنا، صارت أطول كلمة من كلمات رمضان، وأعتذر إن كنت أثقلت عليكم.

وقبل أن نشرع بالحديث حول هذا الموضوع، نحب أن نؤكد على النقاط التالية وذلك لأهميتها:

أولاً: شاء المولى عز وجل أن يكون آدم عليه السلام خليفة في الأرض، وذلك قبل أن يخلقه، وبالطبع قبل أن يعصي آدم، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: من 30] .

ثانياً: معصية آدم ربه عندما أكل من الشجرة كانت اختياراً، ولم تكن رغماً عنه، وبصورة أخرى لم يكن آدم مسيراً أو مجبراً في الأكل من الشجرة، فقد قال تعالى: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [الأعراف: 22] وقال جل وعلا: {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] وقال عز من قائل {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] .

ثالثاً: كان إبليس والمعصية سبب الخروج من الجنة، قال تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22) قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 20-23] وقد خاطبنا الله تعالى نحن ذرية آدم عليه السلام ليعلمنا أن الشيطان أخرج أبوينا من الجنة، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27] وقال جل وعلا: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117]

وعن أبي هريرة وحُذَيْفَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَجْمَعُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى النَّاسَ، فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا، اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ، لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ» [مسلم وغيره]

فالله تعالى خلق سيدنا آدم عليه السلام للأرض، وعلم جل وعلا أنه سيعصيه بمخالفة أمره بعدم الأكل من الشجرة، وعلْم الله ليس هو الذي سيّر آدم، وإلا لما اعتبره الله عاصياً، ولما اعتبره ظالماً لنفسه، بل إن اعتراف آدم وزوجه بارتكاب المعصية والندم عليها والتوبة منها ليدل على أنهما ليسا مسيرين ولكنهما عصيا مختاريْن وليسا مجبرين.

أما علم الله تعالى فيسهل فهم عدم تناقضه مع التسيير والإجبار بهاتين الحالتين التاليتين وأذكرهما لتبسيط الأمر على أولادنا وبناتنا وقد استشرى بين بعضهم الرأي الذي يقول أنه ما دام الله يعلم أنني سأدخل النار فسأدخل النار، ولا فائدة من طاعتي، ولو علم الله أنني سأطيعه فأصلي وأصوم وألتزم باللباس الشرعي لفعلت ذلك، ولله المثل الأعلى:

الحالة الأولى: تلميذ كسول لا يدرس طوال السنة، فيسأل أبوه المدرس المسئول عنه: ما رأيك بابني، كيف هو مع الدراسة؟ يرد المدرس: ابنك سيرسب ولن ينجح، وهو غير نافع في الدراسة.

وتأتي الامتحانات ويرسب الولد في الامتحان.

والسؤال الذي سيوضح ما أعني توضيحه:

هل يحق للأب أن يزعم أن المدرس هو السبب في رسوب الولد أو أن المدرس هو الذي جعل الولد يرسب رغماً عنه؟ وهل للأب أن يحاكم المدرس على ذلك بحجة أنه أخبره أن ابنه سيرسب؟

الجواب: بالطبع لا؛ لأن المدرس لم يجبر الولد ولم يسيره ولم يتحكم فيه، ولكن الولد هو الذي لم يدرس فاستحق النتيجة السيئة، والمدرس لخبرته الدقيقة بحالة الولد ولأنه مدرسه طوال السنة فإنه بهذه الخبرة عرف أن الولد لن ينجح وأنه سيرسب. ولله المثل الأعلى جلّ وعلا.

الحالة الثانية: ذكرها لي أحد الإخوة المتابعين مشكوراً وهي عن معلم حصيف يريد أن يعلم تلاميذه أن علم الله تعالى لا يعني أن الإنسان مسير ولا يملك إرادته فيقول لهم:

لو شاهد أحدكم فِلماً سينمائياً لأول مرة. وعرف قصته ومشاهده وتفصيلاته، ثم شاهده للمرة الثانية: وبدأ يقول لمن حوله الذين لم يشاهدوا الفلم من قبل: سيحصل الآن كذا وكذا، الآن سيموت فلان، الآن ستنقلب السيارة، الآن سيحدث كذا، وما إلى ذلك، فهل يصح أن نقول بأن هذا الشخص هو الذي يسير أحداث الفلم، أم ماذا؟ ولله المثل الأعلى جلّ وعلا.

فعِلْم الله تعالى أن آدم سيسكن في الجنة وأنه سيأكل من الشجرة التي حرمها عليه، لم يسيّر آدم ليفعل ذلك. بل فعله مختاراً. والمشكلة التي تواجه من لا يحسن تصور هذا الأمر هي علمه بأن الله يعلم ما سيكون، وعدم فصله بين هذا وبين عدم علمه هو بما سيكون، هنا الكعب الأخيل الذي ينقض الأمر على صاحبه إن لم يحسن التفكير به، فأنت لا تعلم ما هو مصيرك، ءإلى الجنة أم إلى النار، ولذلك فأنت تعمل بطاعة الله تعالى لتدخل الجنة، ولو علمت مصيرك ابتداء لكان لك أن تقول: لمَ أعمل إذن؟ وبالضبط هذا ما يحصل مع التلميذ الذي يقول له المدرس في بداية الامتحان: أنت راسب. هنا يخرج من قاعة الامتحان، ويذهب للعب والتسلية لأنه بات يعرف مصيره. مع أن المدرس لم يسيّره بل رسب هو لإهماله.

ولننظر في بعض الأحاديث وأقوال سادتنا العلماء الذين لا نستغني عن فهمهم، ولا نستطيع الغوص في بحار علمهم رضي الله عنهم.

عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} ، إِلَى قَوْلِهِ {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}) [مسلم غيره]

وعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الْآنَ، فِيمَا الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ» قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ زُهَيْرٌ: ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو الزُّبَيْرِ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَسَأَلْتُ: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ» [مسلم وغيره] فما جفت به الأقلام حاصل لا محالة، وما جرت به المقادير كذلك، وفيما نستقبل لا يخرج عنهما، وذلك كي يفهم السائل أنه لن يقوم بما ليس فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، ويفسر هذا بشكل واضح كلام سيدنا آدم عليه السلام فيما سيأتي.

(قال أئمتنا المحققون: إن هذه الأحاديث اقتضت أن الله لم يزل عالماً من يطيعه فيدخله الجنة، ومن يعصيه فيدخله النار، وليس استحقاق من استحق منهم الجنة أو النار من أجل سابق علمه فيه، ولا ذلك عليه ولا اضطر عليه تعالى أحداً منهم للعمل الموجب لذلك من طاعة أو معصية الله تعالى جل جلاله. تقدم فيهم علمه وإرادته بما هم عاملون وما هم صائرون إليه قبل خلقهم وبعد خلقهم، وقال في أهل الجنة: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وفى أهل النار: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} و {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى}.

فأخبر أن ثوابه وعقابه على أعمالهم، وكل ذلك في سابق علمه فيهم فرحمة من رحمه منهم: بهدايته وتيسيره، وخذلان من خذله منهم بعصيانه وكفره. فأمر تعالى ونهى ليطيع المطيع فيدخل الجنة أو يعصي العاصي فيدخل النار، ابتلاء منه تعالى عباده لينظر كيف يعملون وليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وليتم حجته على خلقه بأمره ونهيه وتيسيره له سبيل هداه أو ضلالته، وتزيينه ذلك له، كما قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} ، وكما قال في المؤمنين: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ. فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} ، وقال في أهل الشقاء: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} ، وقال: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} فلم يضطر أحد منهم إلى عمله ذلك) [إكمال المعلم بشرح فوائد مسلم، للقاضي عياض، 8/135-136 ، دار الوفاء للطباعة – المنصورة]

فالله تعالى خلق آدم للأرض وذلك قبل أن يعصي آدم ويهبط إليها، وعلم الله تعالى أن آدم سيعصي، أما معصية آدم فهي من اختياره، وليست جبراً عنه.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَاجَّ آدَمُ مُوسَى، فَقَالَ موسى: يَا آدَمُ، أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ، وَأَشْقَيْتَهُمْ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِهِ وَكَلَامِهِ، فَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ أَوْ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» [أحمد والنسائي]

وعَنْ يَزِيدَ وَهُوَ ابْنُ هُرْمُزَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ، فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ، قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) [مسلم]

فحجة سيدنا آدم عليه السلام أن الله قد كتب خروجه من الجنة وقدره من قبل أن يخلق، وفي الحديث السابق يقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم؟ فهو في الحديث السابق يعترف بخطيئته التي لم تكن جبراً عنه، وهنا في هذا الحديث يحتج بأن خروجه من الجنة بأمر قدره الله عليه من قبل أن يخلق. فما قدره الله سيحصل، وما كتبه الله سيحصل وما علمه الله سيحصل ولكن مع ملاحظة أنه من التسيير أو التخيير، هذا هو الفرق.

قال النووي: (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى بِرَفْعِ آدَمَ وَهُوَ فَاعِلٌ أَيْ غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ وَظَهَرَ عَلَيْهِ بِهَا وَمَعْنَى كَلَامِ آدَمَ أَنَّكَ يَا مُوسَى تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أخلق وقدر علي فلا بد مِنْ وُقُوعِهِ وَلَوْ حَرَصْتُ أَنَا وَالْخَلَائِقُ أَجْمَعُونَ عَلَى رَدِّ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْهُ لَمْ نَقْدِرْ فَلِمَ تَلُومُنِي عَلَى ذَلِكَ؟ وَلِأَنَّ اللَّوْمَ عَلَى الذَّنْبِ شَرْعِيِّ لَا عَقْلِيِّ وَإِذْ تَابَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى آدَمَ وَغَفَرَ لَهُ زَالَ عَنْهُ اللَّوْمُ فَمَنْ لَامَهُ كَانَ مَحْجُوجًا بِالشَّرْعِ فَإِنْ قِيلَ فَالْعَاصِي مِنَّا لَوْ قَالَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ قَدَّرَهَا اللَّهُ عَلَيَّ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ اللَّوْمُ وَالْعُقُوبَةُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا قَالَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْعَاصِي بَاقٍ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ جَارٍ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَاللَّوْمِ وَالتَّوْبِيخِ وَغَيْرِهَا وَفِي لَوْمِهِ وَعُقُوبَتِهِ زَجْرٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ وَهُوَ محتاج إلى الزجر مالم يَمُتْ فَأَمَّا آدَمُ فَمَيِّتٌ خَارِجٌ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ وَعَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الزَّجْرِ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ لَهُ فَائِدَةٌ بَلْ فِيهِ إِيذَاءٌ وَتَخْجِيلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) [شرح النووي على صحيح مسلم، 16/202 ، المطبعة المصرية بالأزهر]

(قال ابن عبد البر: هذا الحديث أصل جسيم لأهل الحق في إثبات القدر وأن الله قضى أعمال العباد فكل أحد يصير لما قدر له بما سبق في علم الله قال: وليس فيه حجة للجبرية وإن كان في بادئ الرأي يساعدهم وقال الخطابي في معالم السنن: يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر يستلزم الجبر وقهر العبد ويتوهم أن غلبة آدم كانت من هذا الوجه وليس كذلك وإنما معناه الإخبار عن إثبات علم الله بما يكون من أفعال العباد وصدورها عن تقدير سابق منه، فإن القدر اسم لما صدر عن فعل القادر وإذا كان كذلك فقد نفى عنهم من وراء علم الله أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور عن قصد وتعمد واختيار فالحجة إنما تلزمهم بها واللائمة إنما تتوجه عليها وجماع القول في ذلك أنهما أمران لا يبدل أحدهما عن الآخر أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء ونقضه، وإنما جهة حجة آدم أن الله علم منه أنه يتناول من الشجرة فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وإنما خُلق للأرض وأنه لا يترك في الجنة بل ينقل منها إلى الأرض فكان تناوله من الشجرة سبباً لإهباطه واستخلافه في الأرض كما قال تعالى قبل خلقه {إني جاعل في الأرض خليفة} قال فلما لامه موسى عن نفسه قال له أتلومني على أمر قدره الله علي؟ فاللوم عليه من قبلك ساقط عني إذ ليس لأحد أن يعير أحداً بذنب كان منه لأن الخلق كلهم تحت العبودية سواء وإنما يتجه اللوم من قبل الله سبحانه وتعالى إذ كان نهاه فباشر ما نهاه عنه) [فتح الباري لابن حجر: 11/508، دار المعرفة – بيروت]

وعن خَالِدٌ الْحَذَّاءُ قَالَ: خَرَجْتُ أَوْ غِبْتُ غَيْبَةً لِي، وَالْحَسَنُ لَا يَتَكَلَّمُ فِي الْقَدَرِ، وَقَدِمْتُ وَإِذَا هُمْ يَقُولُونَ: قَالَ الْحَسَنُ، وَقَالَ الْحَسَنُ، فَأَتَيْتُهُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ مَنْزِلَهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَخْبِرْنِي عَنُ آدَمَ أَلِلسَّمَاءِ خُلِقَ، أَمْ لِلْأَرْضِ؟ قَالَ: مَا هَذَا يَا أَبَا مِنَازِلَ؟ قَالَ حَمَّادٌ: يَقُولُ لِي خَالِدٌ: وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِنَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ: إِنِّي أحبُّ أَنْ أَعْلَمَ، قَالَ: بَلْ لِلْأَرْضِ خُلِقَ، قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوِ اعْتَصَمَ، فَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الشَّجَرَةَ؟، قَالَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لِلْأَرْضِ خُلِق) [القدر للفريابي، ص 60، مخطوط، الأسكوريال – إسبانيا، ورواه الآجري في الشريعة عن الفريابي وبسند آخر عن الحنّائي وكلها أسانيد صحيحة، الشريعة للآجري 2/884-885 ، دار الوطن – الرياض]

ومن العلماء من تناول الأمر بشكل آخر فاعتبر بعض المعطيات دليلاً على عدم الخلود ولزوم الهبوط؛ فابن عطية يقول: (وفي حظره تعالى على آدم الشجرة ما يدل على أن سكناه في الجنة لا يدوم، لأن المخلّد لا يحظر عليه شيء، ولا يؤمر ولا ينهى) [المحرر الوجيز لابن عطية: 1/183، وزارة الأوقاف-قطر]

وقال الخليل بن أحمد: (والسَّكَنُ: سكونُ البيت من غير ملك إما بكراء وإما غير ذلك) [العين للخليل بن أحمد، 2/261 ، دار الكتب العلمية]

وقال القرطبي: (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {اسْكُنْ} تَنْبِيهٌ عَلَى الْخُرُوجِ، لِأَنَّ السُّكْنَى لَا تَكُونُ مِلْكًا، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: السُّكْنَى تَكُونُ إِلَى مُدَّةٍ ثُمَّ تَنْقَطِعُ، فَدُخُولُهُمَا فِي الْجَنَّةِ كَانَ دُخُولَ سُكْنَى لَا دُخُولَ إِقَامَةٍ، قُلْتُ: وَإِذَا كَانَ هَذَا فَيَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ مَنْ أَسْكَنَ رَجُلًا مَسْكَنًا لَهُ إِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالسُّكْنَى، وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِسْكَانِ. وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: دَارِي لَكَ سُكْنَى حَتَّى تَمُوتَ فَهِيَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ، وَإِذَا قَالَ: دَارِي هَذِهِ اسْكُنْهَا حَتَّى تَمُوتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا إِذَا مَاتَ. وَنَحْوٌ مِنَ السُّكْنَى الْعُمْرَى، إِلَّا أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْعُمْرَى أَقْوَى مِنْهُ فِي السُّكْنَى) [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 1/445-116، مؤسسة الرسالة]

وبهذه الكلمة نكون قد انتهينا من كلمات رمضان التي اخترنا أن تكون هذا العام فيما يستفاد من سورة البقرة، أما وإنا لم ننته بعد من هذه السورة، فإننا سنستمر في الاستفادة منها إن أحببتم.

أما عن بعد رمضان، فستعود المدونة إن شاء الله تعالى ويسّر إلى سابق عهدها باستكمال المواضيع المتنوعة، واستكمال أحداث يوم القيامة.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.