الآية والآيات

الآية هي العلامة، ولكن لننتبه، إنها ليست أي علامة، بل هي العلامة التي تستدعي من يراها أن يقف عندها ويتأملها، فهي نوع من الدلالة على شيء ولكن فيها من لفت النظر ما يوقف الرائي عندها، وبصورة أخرى فأنت عندما تسير في الشارع ترى علامات متعددة للوقوف وللسرعة ودعايات إعلانية وغيرها، هذه كلها علامات ترشد إلى ما وُضعت له، وأنت تمر عليها بشكل طبيعي وتتعداها ولا تقف عندها، لأن لمحة واحدة لها بطرف عينك تنبؤك عنها فتعرف إلامَ تشير، ولن تجد سائقاً أو مارّاً في الطريق يقف عند كل علامة كعلامة تحديد السرعة مثلاً أو علامة الانعطاف ليتأملها.

ولكن؛ عندما ترى صرحاً ضخماً أو تمثالاً كبيراً ولكنه في الحقيقة علامة لفندق أو دعاية لمنتج فإن شكل هذه العلامة يبهرك فتقف عنده لتتأمله ولتعرف إلامَ يشير، وربما كان تأمله والانبهار به أهم عندك مما يشير إليه، فالآية هي العلامة التي تستدعي التلبث والنظر والتدبر فيها، فهي في النهاية ليست أي علامة.

ولننظر إلى ما ذكره سادتنا علماء اللغة رحمهم الله تعالى في معنى هذه الكلمة:

قال الخليل في العين: (الآية: العَلامةُ، والآية: من آيات الله، والجميع: الآي. وتقديرها: فَعَلَةٌ. قال الخليل: إنّ الألف التي في وسط الآية من القرآن، والآيات العلامات هي في الأصل: ياء، وكذلك ما جاء من بناتها [أي من بنات الياء] على بنائها نحو: الغاية والرّاية وأشباه ذلك.. فلو تكلّفْت اشتقاقها من (الآية) على قياس علامة معلمة لقلت: آية مأياة قد أُيِّيتْ فاعلم إن شاء الله) [العين للخليل الفراهيدي، 1/441، دار ومكتبة الهلال]

وجاء في لسان العرب: (وقال ابن حمزة -الكسائي- الآية من القرآن كأَنها العلامة التي يُفْضَى منها إِلى غيرها كأَعلام الطريق المنصوبة للهداية) وقال: (إِذا مَضَى عَلَمٌ منها بدا عَلَم والآية: العلامة) (وتأيّا أي توقف وتمكث) (ويقال: قد تأييت على تفعّلت أي تلبثت وتحبّست) [لسان العرب لابن المنظور، 14/62-63، دار صادر – بيروت]

وقال الراغب في المفردات: (والآية هي العلامة الظاهرة، وحقيقته لكل شيء ظاهر هو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما عُلم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته إذ كان حكمهما سواء) ويقول: (واشتقاق الآية إمّا من أيّ فإنها هي التي تبيّن أيّا من أيّ، والصحيح أنها مشتقة من التأيي الذي هو التثبت والإقامة على الشيء) [المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، 1/41، مكتبة نزار مصطفى الباز]

وقال صاحب المقاييس: (الهمزة والياء والياء أصل واحد، وَهُوَ النَّظَرُ. يُقَالُ: تَأَيَّا يَتَأَيَّا تَأَيِّيًا، أَيْ: تَمَكَّثَ) [مقاييس اللغة لابن فارس، 1/167، دار الفكر، تحقيق عبد السلام هارون]

وفي الفروق ذكر أبو هلال العسكري الْفرق بَين الْعَلامَة وَالْآيَة فقال: ( الفرق بين العلامة والآية؛ أَن الْآيَة هِيَ الْعَلامَة الثَّابِتَة من قَوْلك تأييت بِالْمَكَانِ إِذا تحبست بِهِ وَتثبت) [ص 71، دار العلم والثقافة- القاهرة]

وقد جاءت كلمة آية في القرآن الكريم بعدة استخدامات، ولم تخرج عن معناها الذي ذكرناه في تعريفها، ولكن على بعض التفصيل.

فقد جاءت وعني بها آيات الكتاب الذي أنزله الله تعالى:

(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا إِنْ هَـذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ) [الأنفال: 31]

(هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) [آل عمران: من 7]

(لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) [آل عمران: 113]

كما وردت بمعنى العلامة التي تدل على شيء ولكنها ليست كأي علامة كما ذكرنا سابقاً:

(وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ) [البقرة: من 248]

(قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا) [آل عمران: من 41]

(أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ) [الشعراء: 128] ونلاحظ هنا نسبة الآية لعاد قوم هود عليه السلام لأنهم كانوا يبنون مباني متميزة كالأهرامات على الأراضي المرتفعة لمجرد العبث والعبث هو الفعل الذي خلا من إرادة إلا إرادة فعله وحصوله في الواقع، وهو بالطبع يختلف عن اللعب واللهو.

وجاءت كلمة آية أيضا بمعنى الإشارة إلى خلق الله تعالى وقدرته وتسييره وحكمه، وتدبرها لغير المؤمن يوصله إلى الإيمان بالخالق قطعاً، وللمؤمن يزيده قرباً من ربه ويعينه على تطويع نفسه للتقوى:

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [يونس: 5]

(انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأنعام: من 99]

(وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) [الروم: 23]

(ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: 69]

فهذه الآيات دعوة للتفكر في خلق الله تعالى، فهي تلفت النظر لهذه المخلوقات التي تشكل كل وُحدة منها آية تدعو من يتأملها للتفكر في خلق الله تعالى ثم للتوصل إلى أنه هو الخالق الواحد، ولله در الشاعر عندما قال: وفي كل شيء له آية ،،،، تدل على أنه الواحد. والمكذبون ليسوا من كذب الرسل فحسب بل من كذب أي آية من آيات الله مهما صغر حجمها أو كبر مقامها في نظره.

(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الروم: 37] نظرة واحدة إلى موضوع الرزق وتقسيمه بين المخلوقات تهدي صاحبها إلى أن هناك رازق وهو الله تعالى.

وجاءت كذلك للدلالة على قدرة الله تعالى في خلقه:

(فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [النمل: 52]

(وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) [الذاريات: 37]

(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) [فاطر: 44] وهنا تدعو المتأمل ليتدبر آثار المكذبين وما فعل الله تعالى بهم، هذه الآثار التي ليست للسياحة ولكن للعبرة والعظة، قال البغوي رحمه الله: (قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، مُعْتَبِرِينَ، يُحْتَمَلُ هَذَا السَّيْرُ بِالْعُقُولِ وَالْفِكْرِ، وَيُحْتَمَلُ السَّيْرُ بِالْأَقْدَامِ، ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، أي: جزاء أَمْرِهِمْ وَكَيْفَ أُورِثُهُمُ الْكُفْرَ وَالتَّكْذِيبَ الهلاك)  [تفسير البغوي، ص 413، دار ابن حزم]

وقد يقترح أحدكم ألا أطيل في الاستشهاد بأقوال العلماء والنقول عنهم، وأحب هنا أن ألفت الأذهان إلى حاجتنا الماسة للرجوع دائماً إلى علمائنا الأوائل الذين تلقوا العلم بحق وحملوه بحق، وأننا لا نملك قدرة ولو ضئيلة على معرفة معنى كلمة واحدة في العربية إلا عن طريقهم، فهم الذين نقلوا إلينا ما تواضع عليه العرب في كلامهم الذي جاء القرآن الكريم به، وأن ننتبه لعقولنا فلا نضعها في درج الإستعارات ليستعيرها من يشاء وقتما يشاء ليضع فيها ما يشاء ثم يرجعها إلينا.

في الوقت الذي نرى فيه أبناءنا وقد ألفوا الاستماع لكل من هبّ ودبّ بلا تأصيل ولا رجوع ولا عزو، وكأن أصولنا التي تلقيناها وثقافتنا التي عرفناها أضحت لا قيمة لها ولا لزوم، ما دام الكل يغرف من ماء آسن ليشرب ويسقي غيره.

وها أنت ترى كلام الله وقد أضحى على طاولة الجهل والهوى، وأصبحت أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام كالألعاب في أيدي الأطفال يأخذون منها ما يشاؤون ويدعون ما يشاؤون، هذا إن لم يرموها كلها فقد أغنتهم ألعاب الديجيتال عنها.

هؤلاء الذين يتغنون بالماضي والثقافة والحضارة وإرث العلماء، يفعلون ذلك ليرسموا لوحة جميلة من الرمال الملونة ليمسحوها، أو قصوراً شاهقة من الرمال ليهدموها، وما ذلك إلا لمحو الماضي وتدمير الثقافة وسحق الحضارة وتفتيت الإرث بعد التغني به ليحسن متبعوهم الظن بهم.

وما هي نفوس جديدة، بل هي جثث نُبشت قبورُها لتخرج من جديد ولكن بلباس وهيئة تناسب العصر.

وصدق الشاعر:

تصدَّر للتدريس كلُّ مهوَّس ،،،، بليدٍ تَسمَّى بالفقيه المدرسِ

فحُقَّ لأهل العلم أن يتمثَّلوا ،،،، ببيتٍ قديم شاع في كل مجلسِ

لقد هُزِلَت حتى بدا من هُزالها ،،،، كُلاها وحتى سامها كل مُفلسِ

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.