القرآن والسنة

بعد حديثنا عن الآية والآيات نقول إن آية الختام هو كتاب الله تعالى، وهو آية رسوله محمد عليه الصلاة والسلام.

والقرآن الكريم تَميز عن باقي الآيات التي جاء بها الرسل الكرام عليهم السلام أنه لم يرتبط بشخص الرسول بحيث أنه لو ذهب الرسول ذهب معه، كعصا موسى عليه السلام مثلا، فهي مرتبطة بشخصه، والميزة الثانية أنه فضلاً عن كونه كلام الله المعجز فإنه تضمن تشريعات وأحكاماً وقصصاً وعبراً ومنهج حياة للمسلمين وغيرهم.

والآيات كثيرة كما قدمنا وكلها من عند الله تعالى وكلها فيها إعجاز فلا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها مهما صغرت أو كبرت في نظره، ولكن آية الرسول تختلف عن باقي الآيات لأنها ارتبطت بدعواه أنه رسول الله، وهي خرق للعادة، أي يقطع العقل أنها من عند الله تعالى، فالعقل مثلاً يقطع بأن الناقة التي يراها يومياً من خلق الله تعالى وأنه لا يستطيع أحد أن يخلق مثلها، وهذا أمر طبيعي ولذلك فهي ليست خرقاً للعادة، بمعنى أنه لو جاء من يصطحب ناقة معه إلى قومه وقال لهم: هذه معجزتي من عند الله تعالى وأنا رسوله. فمثل هذا إما أن يجادله القوم ليعيدوه إلى صوابه، وإما أن يعالجوه، لأن كل واحد منهم عنده ناقة، فلم يأت صاحبهم بجديد.

ولكن ناقة صالح عليه السلام اختلفت، فهي أولاً خرق للعادة وثانياً ارتبطت بدعوى الرسالة {هَذِهِ نَاقَةُ الله لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ الله وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: من 73] ، هذا الفرق بين المعجزة وغيرها من الآيات.

أما منزلة كتاب الله تعالى من الإسلام فهو والسنة مصدرا التشريع عندنا نحن المسلمين، منهما نأخذ نصوص الشرع التي تعلمنا كيف نعبد الله تعالى وكيف نعيش حياتنا وفق منهجه.

واحذر كل الحذر من سؤال أسألك إياه وأنا أعرف أنك لا تملك له إلا إجابة واحدة، ثم أبني على إجابتك ما أريد أن أقنعك به من أباطيل. احذر هذه النوعية من الأسئلة، ولا يخدعنك أن إجابتها واحدة.

هذا ما يحلو لمن يريدون التفريق بين القرآن والسنة لنبذ السنة أن يقولوا دائماً متسائلين: هل يعتبر القرآن ناقصاً بدون السنة؟ يسألون هذا السؤال لأنهم يعرفون الإجابة وأنه لن يجرؤ أحد على الإجابة بنعم. فالجميع سيقول: لا، القرآن كامل وليس ناقصاً بدون السنة.

وهذا السؤال الخبيث لا يؤثر مَكْرُه على من أنار الله بصيرته بالإسلام، لأن القرآن بالفعل ليس ناقصاً بدون السنة وهذا الكلام لا قيمة له أصلاً أي لا أثر له، بل الصحيح هو أن الإسلام ناقص بالقرآن وناقص بالسنة ولا يكون كاملاً إلا بالقرآن والسنة.

هذا ما يجب أن نعيه في ظل هذا الانحدار الماراثوني في هدم السنة النبوية -التي لا تنفصل عن القرآن الكريم- والذي يصب في هدم الإسلام نفسه.

نعم، إن الإسلام لا يكون إسلاماً بالقرآن فقط ولا يكون إسلاماً بالسنة فقط بل هو الكتاب والسنة، لأنهما من الله تعالى.

أما إسلام القرآن فقط أو إسلام السنة فقط فهو ليس إسلاماً ولا يعرفه المسلمون، لأن القرآن وحي والسنة وحي ومصدرهما واحد هو الله جل وعلا.

ولنسأل السؤال التالي في معرض تبيين أن الله تعالى أوحى إلى رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم غير القرآن الكريم:

هل ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أنه أوحى لنبيه عليه السلام شيئا خلا القرآن؟

لن تحتاج عند طلاب الحق أصحاب العقول السليمة إلى تفصيل وكثرة أدلة، فالدليل الواحد على وجود الله تعالى يغني عن آلاف الأدلة، والدليل الواحد على أن الله تعالى أوحى لأنبيائه غير كتبه يغني كذلك عن الشرح والإطالة.

وقد تعددت الوجوه في الآونة الأخيرة، فمنهم من يقول ألا وحي إلا القرآن، فهم ينكرون السنة جملة وتفصيلاً، ومنهم من يقول أن السنة وحي ولكن يقولها على استحياء فهو يأخذ منها ويدع كما يشاء بحجة أن ما خالف القرآن يرفض لأنه مكذوب، ومنهم من يقول نأخذ بالسنة ما وافق القرآن فقط ثم تراهم لا يأخذون من السنة شيئاً، وهذا عزل للسنة أيضاً لأنهم يرمون من هذا جعل السنة التي توافق القرآن لا قيمة لها ما دام القرآن موجوداً، لأنها ستكون في نظرهم ونظر الغاوين تحصيل حاصل كما يقال، فلو قلنا أن الزنا حُرّم في القرآن، وجاء الرسول عليه السلام وقال: الزنا حرام. ماذا نستفيد؟ هذه هي الموافقة التي يدّعونها فقط كي لا يقال عنهم أنهم ينكرون السنة. ولذلك فإنها كلها وجوه واحدة تسعى إلى قصر الإسلام على القرآن فقط، لأنهم يدركون جيداً أن الاقتصار على القرآن مسخ للإسلام ونزع حقيقته منه إذ سيتحول إلى شيء آخر، وبالتالي سيخرج أبناؤه بعقليات جديدة ونمط تفكير لا يمت إلى الإسلام بصلة.

أما كون الوحي قد جاء من عند الله إلى رسوله عليه الصلاة والسلام غير القرآن فالأدلة فيه مستفيضة، ويكفيني هذان الدليلان:

{وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم: 3] في هذه الآية يبين الله تعالى أمراً حصل للنبي عليه الصلاة والسلام مع بعض أزواجه، ولما سألته زوجته من أنبأك هذا أجاب بأن الله تعالى أنبأه، والسؤال: أين في القرآن الكريم إخبار الله تعالى لرسوله عن هذا الأمر؟ لن تجد آية يقول الله فيها لرسوله لقد حصل من زوجتك كذا وكذا. لأن الله أوحى له ذلك في غير القرآن الكريم.

والدليل الثاني: قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ الله بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 143] في هذه الآية يبين المولى عز وجل أنه جعل لرسوله قبلة في الماضي، والسؤال: أين هذا الجعل في القرآن الكريم؟ هل يوجد في القرآن الكريم ما يدل بالتصريح أو التلميح على أن الله تعالى أمر رسوله أن يصلي إلى القبلة الأولى؟

ولا يمكن أن يكون الجواب أن الرسول عليه الصلاة والسلام اختار القبلة الأولى من نفسه فهو مستحيل لأنه افتراء على الله وهو محال على الرسول عليه الصلاة والسلام، ولأن الله نسب جعل الصلاة للقبلة الأولى لنفسه جل وعلا.

ولن تجد في كتاب الله آية تدل على أن الله أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بالصلاة إلى بيت المقدس.

والأدلة كما قلنا كثيرة، ولكنها تحتاج إلى قلوب صادقة وعقول نيرة ونفوس جلدة على البحث والتنقيب والتأكد، لا تقبل أن تسمع أي شيء في أي شيء.

ولأن القرآن والسنة من عند الله تعالى، فلا يصح أخذهما إلا معاً، فلا يقتصر على القرآن مثلاً دون السنة، لأن في هذا تقصيرا في الأخذ وبالتالي خللاً في النتائج.

وعليه فلا يصح أن نقول هل ورد في كتاب الله كذا؟ ونسكت، بل نقول ماذا ورد في الكتاب والسنة أو ما هو حكم الإسلام في كذا؟

ولذلك فمن الخطأ أن يدور البحث في هذا الموضوع على القرآن وحده، ليأتي من يقول أعطوني من كتاب الله ما يدل على الرجم مثلاً، أو على تحريم أكل الكلب، متحججاً بلزوم ورودها في القرآن الكريم، فهو طرح خطر في فصله بين الكتاب والسنة في الاستدلال، وقد حذرنا رسول الله تعالى من أمثال هؤلاء وبين لنا حقيقتهم قبل أن يوجدوا فقال: (يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) [ابن ماجه وأحمد والدارمي وغيرهم]

وانظر إلى قوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} [آل عمران: من 93] فإسرائيل عليه السلام حرم على نفسه أشياء، فهو إما أن يكون حرمها بغير إذن ربه وهذا محال عليه لأنه نبي، وإما أن يكون حرمها بإذن ربه وهو الصحيح، ولو كان التحريم عليهم من الله مباشرة لما جاء في الآية إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، ولا يقال أن تحريم إسرائيل مجازي أو أنه يخصه، إذ لو كان كذلك لما حُرم ما حرمه على بني إسرائيل، أرجو الانتباه لهذه النقطة.

وانظر إلى الفهم الدقيق لسيدنا ابن مسعود رضي الله عنه في هذا الأمر إذ قال: (لعنَ اللهُ الواشمَاتِ والمُتَوشِّماتِ، والمُتَنَمِّصَات والمُتَفَلِّجَاتِ للحسْنِ، المُغِّيراتِ خلقَ اللهِ. فبلغَ ذلكَ امرأةً من بني أسدٍ يُقالُ لها أمُّ يعقوبَ، فجاءَت فقالتْ: إنَّهُ بلغَني أنكَ لعَنْتَ كيْتَ وكيْتَ، فقالَ: وما لي لا ألعنُ مَن لعنَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ومَنْ هوَ في كتابِ اللهِ. فقالت: لقدْ قرأتُ ما بينَ اللوحينِ، فمَا وجدْتُ فيهِ ما تقولُ، قالَ: لئن كنت ِقرَأتِيهِ لقد وجَدْتِيهِ، أما قرأتِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} . قالتْ: بلى. قالَ: فإنَّهُ قدْ نهَى عنهُ) [البخاري ومسلم وأبو داود]

ومن الخطأ أيضاً ما يقع فيه الجانب الآخر عندما يقبل بجعل القرآن الكريم وحده حكماً في أي مسألة، لأنه بذلك يكون قد حقق لهؤلاء رغبتهم رغم مخالفته لهم، لأنهم لا يهمهم أن تقتنع برأيهم بقدر ما يهمهم أن تفكر بالطريقة التي يريدونها، فزراعة البذرة تعني الكثير لأنها ستنبت يوماً.

وأخيراً، عن سلمان الفارسي عليه رضوان الله تعالى قال: (قال المشركونَ: إنا نَرى صاحبكُم يعلّمكُم، حتى يعلمكم الخراءةَ. قال: أجل، إنه لينهانا أن يستنجِي أحدنَا بيمينِهِ أو نستقبلَ القِبْلة) [مسلم وابن حبان والنسائي وغيرهم] فسيدنا سلمان يفخر بأن رسول الله يعلمهم هذه الأشياء البسيطة، فداه أبي وأمي عليه وآله أفضل الصلاة والسلام جاءته رسالة ختمت رسالات الله، فيها ما علمه لأصحابه والمسلمين من بعدهم في كل صغيرة وكبيرة من شئون حياتهم فنقلهم بهذه الرسالة من وضع إلى وضع {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122]

فهو كالوالد لأولاده يربيهم فيعلمهم ويرعاهم، فنعم الوالد عليه الصلاة والسلام:

(إنما أنا لكم بمنزلةِ الوالدِ لولدِهِ أُعلِّمكم، إذا أتيتمُ الغائطَ فلا تَستقبلوا القِبْلَةَ ولا تَستدبروها، ولا يستنج أحدكم بيمينه) [ابن ماجه وابن حبان والبزار وغيرهم]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.