ماذا لو ألغينا الأحاديث النبوية؟

يظن البعض أن كثرة الأحاديث ووفرتها تؤدي إلى مشاكل كثيرة في الشرع أهمها الاختلاف بين النصوص والتشويش على أحكامها، ولذلك فكلما اقتصرنا على القرآن الكريم وخففنا من الأحاديث قدر الإمكان كلما حققنا الوحدة واليسر وعدم الاختلاف وكلما أزلنا من ديننا ما يزيده تعقيداً وكثرة، كلما جعلناه حسناً في نظر الآخرين.

ولو أرحنا هؤلاء وحققنا لهم مطمعهم فألغينا الأحاديث كلها واكتفينا بالقرآن وحده فإننا سنجد فيه الكثير من الاختلافات، وهذا ليس عيباً فيه (والعياذ بالله) ولكنها مشيئة الله تعالى ورحمته لعباده.

ماذا لو كانت الآية والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة شهور أو تسعين يوما، هل سيكون ثمة اختلاف أم سيجمع الجميع على أنها تسعين يوما وانتهى؟

ولكن الآية لم تكن كذلك وإنما (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ) [البقرة: من 228] وكلمة قرء تسمح بالاختلاف فقد ذهب الحجازيون من الفقهاء إلى أنه الطهر وهو مروي عن عثمان وعائشة وزيد بن ثابت وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالزُّهْرِيِّ وَأَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ وَالشَّافِعِيِّ، وذهب أهل الكوفة إلى أنه الحيض وهو قول عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَعِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ، ولكل فريق شواهد من اللغة فمثلاً: الفريق الأول استدل بقول الأعشى:

أفي كل عام أنت جاشم غزوة

تشد لأقصاها عزيم عزائكا

مورّثة مالاً وفي الحي رفعة

لما ضاع فيها من قروء نسائكا

فالشاعر يقول: إن لك في كل عام غزوة تتجشمها تجمع لها صبرك وجلدك فتعود منها بالمال والمجد الذي يعوضك عما عانيت من البعد عن نسائك، فالغزو قد أضاع أطهارهن.

وحجة أهل الكوفة:

يا رب ذي ضغن علي فارض

له قروء كقرء الحائض

يعني أنه طعنه فكان له دم كدم الحيض.

ومثله الباء في قوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم) فهل هي للتبعيض أم للتعميم؟ يقول القرطبي: (وَعَلَى هَذِهِ الْمَفْهُومَاتِ ظَهَرَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ مَسَحَ الْيَافُوخَ فَقَطْ، وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ: أَيَّ نَوَاحِي رَأْسِكَ مَسَحْتَ أَجْزَأَكَ، وَعَنِ الْحَسَنِ: إِنْ لَمْ تُصِبِ الْمَرْأَةُ إِلَّا شَعْرَةً وَاحِدَةً أَجْزَأَهَا. وَأَمَّا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ: وُجُوبُ التَّعْمِيمِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: وُجُوبُ أَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ، وَمَشْهُورُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْأَفْضَلَ اسْتِيعَابُ الْجَمِيعِ)

وكذلك الهداية، تجد في قوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص: 56] نسبتها لله تعالى ونفيها عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي آية أخرى (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الشورى: من 52] فينسبها تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فهل هذا تناقض بين الآيات؟ بالطبع لا؟ ولكنه يحتاج إلى جمع النصوص والنظر فيها ثم فهم معنى الهداية ومتى تنسب لله تعالى ومتى تنسب لعباده. وهذا عمل العلماء المتخصصن المؤهلين لغويا وشرعيا القادرين على التفريق بين الأدلة بعد جمعها ومعرفة ما يدل عليه كل واحد منها، وكذلك العارفين بالواقع المراد إنزال الحكم عليه، وهم في النهاية المخلصون لدين الله تعالى. وعندها سيقول هؤلاء للآخرين: هذا دين الله تعالى وما علينا إلا الالتزام به.

فالاختلاف ليس مشكلة ولكن المشكلة أن يجعل الاختلاف مبرراً للزيادة في الدين أو للإنقاص منه.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.