العبرة والاعتبار

إليكم هذه المقدمة قبل الحديث عنهم: قيل –وهو قول حق- (السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من كان عظة لغيره) .

ولا قيمة للعبرة إن كان المعتبِر بمنأى عن الوقوع فيما حصل للمعتبَر به، إذ تنتفي الحاجة إليها.

وهل الحاجة إلى العبرة والاعتبار والتفكر في أحوال الآخرين وما آلت إليه مصائرهم إلا للاتعاظ بهم؟ وعدم الوقوع فيما وقعوا فيه؟ فينجو المعتبِر، وتكون العبرة قد حققت المقصد منها.

وطلب الاعتبار ورد في القرآن الكريم بعدة صور:

قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111] وقال جلّ وعلا: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: لما مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي» [البخاري وأحمد، والحِجْر ديار ثمود مرّوا بها وهم ذاهبون إلى تبوك]

وقد بوب النووي للحديث باباً في الأذكار بعنوان: (بابُ البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين وبمصارعهم وإظهار الافتقار إلى الله تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك) ورحم الله علماءنا، فعناوين أبوابهم فقه لنا.

وقال في شرح مسلم: (وفيه الحثّ على المراقبة عند المرور بديار الظالمين ومواضع العذاب ومثله الإسراع في وادي مُحَسِّر لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك فينبغي للمار في مثل هذه المواضع المراقبة والخوف والبكاء والاعتبار بهم وبمصارعهم وأن يستعيذ بالله من ذلك) [شرح صحيح مسلم للنووي 18/111 المطبعة المصرية بالأزهر، ووداي مُحَسِّر بين المزدلفة ومنى سمّي بذلك لأن أبرهة وجنده حُسروا فيه، وله أحكام في الحج كعدم المبيت والإسراع عند المرور فيه]

فجاء طلب الاعتبار صريحاً في بعض المواضع؛ قال جلّ وعلا: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] .

كما جاء الاعتبار بالنظر إلى نتيجته على المعتبَر به وأهميتها للمعتبِر، كما في قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [يونس: 39] وقال عزّ من قائل: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9]

كما جاء بصيغة الإخبار عن الذين مضوا وماذا أصابهم كما في قوله تعالى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} [الأعراف: 4] وقوله جل وعلا: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} [الحج: 45]

كما جاء باستنطاق ما في النفوس المؤمنة المفكرة لتدرك بطبيعتها الواقع لتتعظ به:

قال تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل: 52] وقوله تبارك وتعالى: وقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175-176]

أما بنو إسرائيل وما حصل معهم من قصص وأحوال ومواقف، فإن لنا فيها كل العبرة والعظة، ذلك لأننا معهم في خطين متوازيين في الحياة ما بقينا، ولأنهم لا يخرجون في الاعتبار عن باقي من أمرنا الله تعالى بالاعتبار بهم وعدم الوقوع فيما وقعوا به، وهذا ما سنتكلم عنه غداً إن أحيانا الله تعالى، خشية الإثقال عليكم.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.