العبرة بعد الكثرة

بعد أن تحدثنا عن كثرة الأدلة واستفاضتها عنهم، وبعد الكلمة السابقة عن العبرة والاعتبار، لنتناول في هذه الكلمة موضوع الاعتبار بهم مسترشدين ببعض ما ذكره الله تعالى لنا عنهم.

أما العبر فإنها كثيرة، وسنرى منهم الأعاجيب ما عشنا، ويكفينا أن نذكر في هذه العجالة ما يثبت الفكرة.

قال الله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78-79] فهذه صورة من حالة كانوا يعيشونها وهي حالة بشعة لقوم يفعل بعضهم المنكر فلا ينهاهم البعض الآخر، أو ينهونهم ولكن لا يمنعهم ذلك من الرضا بما يفعلونه وعدم تغييره، مما يضفي على المنكر صبغة شرعية في المجتمع، أو على أقل تقدير يصبح مقبولاً غير مستهجن.

وانظر إلى توجيه رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم لنا في هذه الحالة السيئة: فعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:«إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } إلى قوله {فاسقون} ثم قال: كلا والله، لتأمُرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربَنَّ اللَّهُ بقلوبِ بعضِكم على بعضٍ ثمَّ لَيلعننَّكم كما لعنَهم» [أحمد وأبو داود والترمذي والأطر هو عطف الشيء بقبضه كمن يمسك عوداً فيعطفه ليدخله في عنق زجاجة، والقصر هو الحبس أي تحبسونه على الحق فلا يتعداه]

وهذه الحالة وقع فيها المسلمون بسكوتهم عن الظلم، وفشو المنكر في حياتهم بعد أن تخلوا عن دين الله تعالى والذي يَعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منظومته الحياتية ركيزة من ركائز المحافظة على الحياة الإسلامية.

والآتي أعظم وأقبح، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيارهم يومئذ من يقول: لو واريتها وراء هذا الحائط» رواه أبو يعلى في مسنده، وللطبراني في الأوسط «يقول أمثلهم لو اعتزلتم الطريق» وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: «وحتى تمر المرأة بالقوم فيقوم إليها أحدهم فيرفع بذيلها كما يرفع ذنب النعجة فيقول بعضهم ألا واريتها وراء الحائط»

والحالة الثانية حالة الشرك وعبادة غير الله تعالى فعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر قال: وكانت للكفار سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، قال: فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها السنن الله أكبر، قلتم: والذي نفسي بيده كما قال بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} قال: إنكم قوم تجهلون» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم لتركبن سنن من قبلكم» [ابن حبان والمروزي واللفظ له] والرسول الكريم عليه وآله أفضل الصلاة والسلام يشير إلى قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] وهذا كان بُعَيد خروجهم من مصر بعد أن أنقذهم الله من فرعون وجنوده.

هذه حالتان ذكرناهما بالتفصيل، وإلا فإن الحالات كثيرة وسنمر عليها إن شاء الله تعالى في كتابه الكريم وفي سنة نبيه وسيرته صلى الله عليه وسلم.

وأخيراً: اقرؤوا هذه الآيات بتمعن:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهًا} [الأحزاب: 69]

{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]

{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16]

{اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]

أما والله فقد وقعنا بما وقعوا به، وفعلنا ما فعلوه، فشابهناهم في بعض، وتجاوزناهم في بعض؛ فخرج من المسلمين من عبد غير الله تعالى، ومن آذى رسول الله وتجرأ عليه، ومن حرّف الكلم عن مواضعه، ومن كتم ما أنزل الله، ومن اشترى بآيات الله تعالى ثمناً قليلاً، ومن حرّم الحلال وأحل الحرام كما فعل أحبارهم ورهبانهم، وها نحن نَحكم بغير ما أنزل الله تعالى، بل يثور أبناء المسلمين ويحركون الغوغاء ويسفكون الدماء ويقلبون الأوضاع من أجل أن يُحكموا بغير الإسلام، نجانا الله وإياكم من الآتي.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.