أوفوا بعهدي

قلنا في مسيرة النور وفي تتابع الرسل وتصديق بعضهم لبعض أن هذا أمر طبيعي لأن رسالات الله تعالى ظلت تنزل على عباده إلى أن انتهى التنزيل بالإسلام وهو الرسالة الخاتمة.

وبناء عليه، فمن الطبيعي وَفق ما تقدم أن يتلقف أهل الرسالة أو جماعة الرسول الرسالة القادمة تلقفاً قوياً ويتبعون الرسول الجديد اتباعاً حقيقياً، كيف لا؟ والمرسِل واحد وهو الله جلّ وعلا، وهؤلاء كلهم رسله يبلغون رسالاته ويتبعون وحيه ويهدون الناس بما يأمرهم به: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الأحقاف: 9] وما أجمل وصف مَن فِداه أبي وأمي عندما قال: «الأنبياء إخوة من علّات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد» [رواه أحمد ومسلم، وللفائدة يقَالَ للإخوة من أب وأم: بَنو الْأَعْيَان، فَإِن كَانُوا لأمهات شَتَّى، فهم بَنو العلات، فَإِن كَانُوا لآباء شَتَّى، فهم أخياف، والمعنى الدقيق أن أباهم واحد وهو الدين، وأمهاتهم شتى وهي الشرائع] .

ولأن سيدنا محمداً عليه وآله أفضل الصلاة والسلام آخر الأنبياء وخاتمهم، ورسالته خاتمة الرسالات، فكان الأولى بأهل أقرب رسالتين له أن يسرعوا إلى الإيمان به: قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 15] وقال عزّ من قائل {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [المائدة: 19] .

وها هو الله تعالى يخاطبهم في سورة البقرة –موضوع كلماتنا- فيقول لهم:

{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 40-42]

ولا يخرج عهد الله تعالى الذي طالبهم بالإيفاء به عن هذا الأمر، وقد جاء في سورة المائدة ما يدل على ذلك –الإيمان بالرسل ونصرتهم- قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ الله إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ} [المائدة: 12] ومعنى كلمة عهد هو الاحتفاظ بالشيء من أجل الوفاء به، قال الخليل: (العهد: الوَصِيِّةُ والتقَدُّمُ إلى صاحبك بشيء، ومنه اشتُقَّ العَهْدُ الذي يكتب لِلْوُلاةِ، ويُجْمَعُ على عُهودٍ. وقد عَهِدَ إليه يَعْهَدُ عَهْداً، والعَهْدُ: المَوْثِق وجمعُه عُهُود) [العين للخليل، 1/102 دار مكتبة الهلال] قال القرطبي: (هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَوَصَايَاهُ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهِ. هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ) [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2/8 مؤسسة الرسالة] .

ثم يخاطبهم الله تعالى بقوله: {وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: 41] وواضح أنه تعالى يطلب منهم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فالقرآن مصدق لما معهم، والأمر الآخر هو أنه تعالى يربأ بهم عن أن يكونوا أول من يكفر به في الوقت الذي يفترض بهم أن يكونوا أول من يؤمن به لما يعرفونه عنه كما سيأتي.

ثم يقول تعالى لهم: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42] واللبس يدل على مخالطة ومداخلة ومنه لبس الثوب، واللبس اختلاط الأمر، ومنه قول سيدنا علي رضي الله عنه: (يا حارث، إِنَّهُ ملبوس عليك، إن الحق لا يُعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله) [تلبيس إبليس ص 82 إدارة الطباعة المنيرية] أما إلباس الحق بالباطل فهو صنعتهم التي يتقنونها، وكتمان الحق هو ديدنهم الذي لا يدعونه، عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن مَعْرور، أخو بني سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته. فقال سلام بن مِشْكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم) [تفسير ابن كثير 1/326 دار طيبة، نقلاً عن ابن اسحق وقد حدث بالسماع كما ذكر] .

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.