المفصل الفرعوني (2)

قلنا أن بني إسرائيل مروا في حياتهم بمفاصل عدة كان لها تأثير عليهم، ومن هذه المفاصل الحقبة الفرعونية التي عانوا فيها الكثير.

والمفصل الفرعوني الذي أعنيه لم يكن بدخول يوسف عليه السلام مصر بالتحديد، لأن الحكام آنذاك ليسوا فراعنة كما يشاع، بل كانوا ملوكاً من الهكسوس كما يذكر المؤرخون، وقد ورد في القرآن لقب ملك وليس لقب فرعون لمن كان يحكم مصر أيام يوسف عليه السلام، ونحن نعتمد في دقة الوصف والإخبار على كتاب الله تعالى، ولو نظرت في كتاب الله تعالى وبالبحث السريع ستجد أن لقب (فرعون) ورد سبعاً وستين مرة في القرآن الكريم وفي سبع وعشرين سورة، إلا سورة يوسف فلم يرد فيها سوى (الملك) .

عاش بنو إسرائيل في مصر 200 سنة تقريباً وهي فترة كبيرة وكافية لتشكل موروثاتهم التي صاغت شخصياتهم فيما يسمّى بالسيكلوجية الشعوبية، قضوا المئة الأولى من هذه الفترة في حكم الهكسوس وكانوا يعيشون في حياة طيبة نتيجة لحكم يوسف وتأثيره في حياته الذي كان لصالح قومه طبعاً.

أما المئة سنة الثانية فقد ظهر فيها الاستعباد والأذى الفرعوني وهي الفترة التي عاشوها إلى خروجهم من مصر على يد موسى عليه السلام.

جاء في العهد القديم سفر الخروج: (ومات يوسف وجميع إخوته وسائر أبناء جيلهم، ولكن بني إسرائيل نموا وتوالدوا وكثروا وعظموا حتى امتلأت أرض مصر منهم، وقام ملك جديد على مصر وكان لا يعرف يوسف، فقال لشعبه: انظروا كيف صار بنو إسرائيل أكثر وأعظم منا. تعالوا نحكم القبضة عليهم لئلا يكثروا، فإذا وقعت حرب ينضمون إلى خصومنا ويحاربوننا ويسيطرون على أرضنا. فأوكلوا أمرهم إلى المسخِّرين يرهقونهم بالأثقال، فبنوا لفرعون مدينتي فيثوم ورعْمسيس لخزن المونة. ولكنهم كانوا كلما أرهقوهم يتكاثرون وينتشرون حتى تخوف المصريون منهم. فأخذوا يستعبدونهم بعنف، فنغّصوا حياتهم بأشغال شاقة بالطين واللبن وسائر الأشغال فيس الحقول وكانوا في هذا كله يستخدمونهم من دون رحمة.

وقال ملك مصر لشِفرة وفُوعة اللتين كانتا تولدان نساء العبرانيين: عندما تولدان نساء العبرانيين انظرا بين الركبتين، فإن كان ذكرا فاقتلاه، وإن كانت أنثى فأبقيا عليها) [العهد القديم العبري، ترجمة بين السطور ص 89 للأبوين بولس الفغالي وأنطوان عوكر – الجامعة الأنطونية – التوزيع المكتبة البولسية]

فكانت هذه الفترة كافية جداً للتأثير في الأجيال فيما إذا تعاهدت الأجيال الأحداث جيلاً بعد جيل ولم تكن في طي النسيان.

وكذلك هي كافية من ناحية أخرى وبشكل عكسي أو سلبي لفقدان التأثير على الأجيال، ذلك أن الجيل الأول يكون دائماً أقدر في الوعي على أحداث زمانه وتأثيرها من الأجيال التي تليه، فالذين عاشوا تسليم فلسطين لليهود مثلاً، وطرد أهلها منها وأحداث مذبحة دير ياسين ورأوا الخيانات بأعينهم؛ أقدر على نبذ التطبيع مع اليهود وعدم التودد إليهم من الأجيال التالية التي تربت على التطبيع، والتي بالطبع أُنسيت التسليم والمجازر، ولم تعد فلسطين جزءاً من تراثها الثقافي التربوي.

وللفائدة أقول أن الأحداث التي تحصل في أية أمة ويكون لها دور مفصلي في حياتها، فإنها يجب أن تظل في ذاكرة الأبناء، وأن تكون منهجاً تعليمياً تربوياً لهم، بل يجب أن تحافظ على رموزها وشعاراتها، وإن كانت فيها شخصيات مؤثرة لها دور في إنهاضها فيجب أن تظل مخلدة في تاريخ هذه الأمة، فضلاً عن دراسة التاريخ وحفظه بمحاسنه ومساوئه، لا بد أن يظل في الأمة ضوء ينير طريق الأمل مهما كان هذا الضوء ضعيفاً، لا بد أن يظل فيها من يسعى لرقيها، ويعمل لنهضتها، ولو تخلى عنها كل أبنائها، أما أن يُطمس كل شعار، ويمحى كل تاريخ، وتشوه كل قدوة، ويطفأ كل ضوء؛ فإن هذا هو الدمار والهلاك، وهو الذي يقضي على الأمم، ويزيلها من الوجود. ومن لا يدرك هذا من أبناء الأمة، فلا يصلح أن يكون من قادتها ولا من جملة نخبها، مهما كان علمه وفهمه وقدره، يستوي في ذلك مع الغوغاء والجهلة.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.