المفصل الفرعوني (4)

قال تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49] .

أما عن الأذى الذي تعرضوا له في حياتهم تحت حكم الفراعنة فحدث ولا حرج.

وقوله تعالى يسومونكم ففي السّوم معنى يدل على العرض وترك العلامة والدوام، فهم لا يعذبونهم أيما عذاب بل يختارون لهم العذاب ويولونهم إياه ويديمونه عليهم، ويهمنا هنا جداً أن نشير إلى معنى يستحيون، وذلك لتبرئة نساء بني إسرائيل مما قد يفهمه البعض من الكلمة أنها إساءة إلى عفتهن وطهارتهن، لا سيما وأن فيهن نساء مكرّمات فاضلات ومن ذؤابتهن أم موسى عليها السلام وقد أوحى الله إليها ما أوحى.

أمّا يستحْيون فمعناها أنهم كانوا يتخلصون من الأبناء ويبقون النساء لامتهانهن في الخدمة واستعبادهن ولذلك فإنهم لا يقتلونهن، وهو من الاستحياء أي إبقائه حياً وعدم قتله، وليس من الاستحياء الذي قد يفهم منه المعنى الذي نرفضه كرامة لنساء بني إسرائيل.

وقد استعبد الفراعنة بني إسرائيل أيما استعباد، وفي ذلك جاء قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 22] على اعتبار أن معنى عبدت امتهنت وسخرت وأذللت، ولا يفهم منها أنهم كانوا يعبدون فرعون كعبادة الإله.

وكذلك في قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: 45-46] .

وهذا التعذيب كان موجوداً قبل دعوة موسى عليه السلام، وبعد دعوته، ومن الخطأ أن يظن ظانّ أن خروج موسى عليه السلام وبني إسرائيل إلى البحر كان بعد اجتماعه عليه السلام مع السحرة، بل كان بعد ذلك بعدة سنوات، انظر إلى قوله تعالى من سورة الأعراف: {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} فابتدأ عذاب ثانٍ غير العذاب الأول قبل مجيء موسى ولذلك قال لهم موسى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} فرد قومه عليه بكلام يفهم منه أن أملهم في خروجهم السريع بعد قدومه لم يتحقق وقد رد عليهم بالرجاء أن يستخلفهم الله تعالى: {قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} ثم مرت السنين بعد تحدي السحرة {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} وابتدأ العذاب ينزل عليهم من كل صوب {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ} فأرادوا أن يعقدوا صفقة مع الله تعالى عن طريق موسى، أن أوقف العذاب لنسمح لك بالخروج مع قومك {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ} وأوقف الله عنهم العذاب ولكنهم نكثوا ولم يفوا بالوعد {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} فجاء الأمر الأخير بالخروج ثم الانتقام منهم بإغراقهم {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} [الآيات من سورة الأعراف] .

أما فرعون وملإيه فإنهم لم يكونوا يتورعون عن إيذاء الناس وتعذيبهم، ولم يسلم منهم بنو قومهم وجماعتهم فكيف ببني إسرائيل الذين كانوا في موضع المهانة عندهم؟

انظروا إلى ما فعله فرعون بماشطة ابنته وهي التي تمشط شعرها وهذا مثال من الأمثلة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما كانت الليلة التي أسري بي فيها، أتت علي رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها. قلت: وما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم، إذ سقطت الِمدْرى من يديها، فقالت: بسم الله. فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله. قالت: أخبره بذلك قالت: نعم. فأخبرته فدعاها، فقال: يا فلانة، وإن لك رباً غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله. فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها، قالت له: إن لي إليك حاجة. قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد، وتدفننا. قال: ذلك لك علينا من الحق. فأمر بأولادها فألقوا بين يديها، واحداً واحداً، إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع، كأنها تقاعست من أجله، قال: يا أمه، اقتحمي، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت. قال ابن عباس: تكلم أربعة صغار: عيسى ابن مريم عليه السلام، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة ابنة فرعون» [رواه أحمد وابن حبان والمدرى: أداة كالمسلة أو الإبرة تستخدم لمشط الشعر، وتستخدمها النساء اليوم فهي معروفة] .

فما كان لفرعون وملإيه أن يكونوا موضع افتخار لمن أتى بعدهم، بل موضع استحياء وعار، وأذكر قبل أكثر من ثلاثين سنة دخلت سوقاً في مصر لبيع المفارش وأغطية السرائر وغيرها لأشتري مفرشاً أو غطاء للسرير صناعة يدوية، فقالت لي البائعة: لدينا مفارش عليها صور فرعونية. فقلت لها: لا أريد هذه المفارش ولا أفتخر بمصر الفراعنة، بل أفتخر وأتشرف بمصر الإسلام، أما الفراعنة فلم يفعلوا بأهل مصر إلا الإذلال والقتل.

وأخيراً: هل كان فرعون فعلاً ديكتاتوراً كما يظن الكثيرون؟

هذا خطأ دارج لا بد من جعله موضوعاً منفرداً.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.