وإذ فرقنا بكم البحر

قال تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [البقرة: 50]

حادثة شق البحر حادثة عظيمة، وهي بحق آية من آيات الله تعالى لبني إسرائيل، ونعمة تفضل بها عليهم بإنقاذهم من فرعون وجنوده عندما لحقوا بهم.

قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} [الشعراء: 61-66] .

لقد سن الله تعالى سنناً وخلق قوانين وجعل أسباباً لمسببات لا تتخلف، فلا يملك أحد أن يغير فيها، وما مهمة الإنسان إلا اكتشاف هذه السنن ومعرفة هذه القوانين والتعامل مع تلك الأسباب، ليستفيد منها في إعمار الأرض، والإنسان مهما علا في علمه وارتفع بين المخلوقات في رقيه فإنه يظل حبيس مخلوقيته وعدم قدرته على الخروج منها، فالسكين فيها خاصية القطع ولا يملك أحد سلبها هذه الخاصية، والنار فيها خاصية الإحراق، ولا يملك سلبها هذه الخاصية إلا خالقها، والماء فيه خاصية الاستطراق أو ما يعرف بنظرية الأواني المستطرقة، وهي تخص كل سائل متجانس فيما لو وُضع في حاويات متصلة ببعضها، فإن هذا السائل يتوازن عند نفس المستوى بغض النظر عن أشكال الحاويات، وهذه النظرية استفاد منها الإنسان منذ آلاف السنين في تصريف المياه وغير ذلك، فهذه الخواص التي وجدت في المخلوقات لا يستطيع سلبها إلا من أوجدها، فالله تعالى هو الذي سلب من السكين خاصية القطع عندما أراد إبراهيم أن يذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام، وكذلك سلب تعالى من النار خاصية إحراق إبراهيم: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] ومن هنا كانت الآيات التي يأتي بها الرسل معجزة للبشر أن يأتوا بمثلها، وإن لم يفعلوا فعليهم الإذعان لمن أتى بها جلّ وعلا.

على أن كل ما خلقه الله جل وعلا هو آية وفيه إعجاز للبشر، والبشر تجاه خلق الله تعالى صنفان: صنف يتفكر بالخلق فيدرك وجود الخالق، فينتظر من الخالق ما يوصله به، وهنا يأتي دور معجزة الرسول للدلالة على صدق إرساله لا للدلالة على وجود الخالق؛ باعتبار أن إدراك وجوده قد حصل ابتداء، وهذا الصنف أقدر على تقبل رسالة الرسول وذلك لوجود طريقة التفكير السليمة التي توصل بها ابتداء إلى وجود الخالق، والصنف الآخر هو الذي لا يتفكر بالخلق، وإن تفكر فإن تفكره سطحي لا يوصله إلا للمزيد من الإلحاد والعناد وأمثال هؤلاء علماء الأحياء والفلك وغيرهم الذين يُظهرون للناس آيات الله تعالى وقد يؤمن آخرون بسببهم، ولكنهم عاجزون عن إدراك تلك الآيات وربطها بالخالق، فترى الواحد منهم يقدس وثناً من خشب أو حجر، أو ينحني ويبكي بين يدي دجال لينال بركته، أو ينكر وجود الخالق ويتباهى بذلك، وهؤلاء أصعب في تقبل المعجزة ما لم يغيروا طريقة تفكيرهم.

وما يصيب أبناء المسلمين وغيرهم من لوثات الإلحاد، ما هو إلا بسبب طريقة التفكير أو عدم وجودها أصلاً، ولذلك فإن وضعهم على الخط الصحيح للتفكير أفضل لهم وأبقى لوقت الفريقين من تضييع الجهود والأوقات فيما لا طائل منه في نقاشهم. ولعل في العمر بقية لنتوغل أكثر في مناقشة هذه القضية.

علمني كيف أفكر لأفهم، ولا تقل لي افهم وأنا لا أفكر.

ونعود إلى يوم الخروج كما يطلقون عليه، فهو حدث فريد وعيد عظيم من أعيادهم يسمى عيد الفصح [هناك عيد فصح آخر عند المسيحيين] ومعنى الفصح هو العبور كما جاء في قاموس الكتاب المقدس: (فصح اسم عبري معناه عبور، أول الأعياد السنوية الثلاثة التي كان مفروضاً فيها على جميع الرجال الظهور أمام الرب في بيت العبادة، أنشئ في مصر تذكاراً للحادث الذي بلغ فيه خلاص بني إسرائيل ذروته) [قاموس الكتاب المقدس ص 678 ، مجمع الكنائيس الشرعية، د. بطرس عبد الملك وآخرون، مكتبة المشغل- بيروت] وورد عندنا نحن المسلمين أن هذا كان يوم عاشوراء .

والناظر في كتاب الله تعالى يجد أن ذكر قصة أو حدث أو موقف في موضع يختلف عن ذكره في موضع آخر من كتاب الله تعالى، وذلك من أجل تصوير الحدث بأكثر من صورة وحسب ما يقتضيه السياق أو توجيه الخطاب فيه إلى القارئ والمستمع.

فهنا مثلاً لم نجد تفصيلات تتعلق بشق البحر كما هي في مواضع أخرى، بل جاءت كلها بشكل تذكيرات سريعة في آيات متتالية (النجاة، شق البحر، لقاء موسى مع ربه، اتخاذ العجل، طلبهم رؤية الله تعالى، دخولهم القرية، استسقاء موسى لهم، طلبهم تغيير الطعام) ، وذلك بخلاف المواضع الأخرى إذ ترى فيها تفصيلات لحدث واحد، ولذلك فإن على الباحث أن يجمع كل ما ورد في الموضوع الواحد ليقف على الصورة كاملة.

ونلاحظ أن قوله تعالى {فَأَنجَيْنَاكُمْ} في هذه الآية يختلف عن قوله تعالى في الآية التي قبلها: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} وهناك فرق بين أنجى ونجّى، وهنا أحب أن أشير إلى أن كل كلمة في كتاب الله تعالى لها معنى مقصود، بل كل حرف في كتاب الله تعالى لم يأت جزافاً لأنه كلام الله تعالى، الذي لا يشوبه نقص، ولا يعتريه لبس، وليس فيه حاجة للضرورة كما هي ضرورة الشعر عند البشر الذين لا يغادرهم النقص مهما تسنموا ذرى اللغة واعتلوا مجدها: شعرها وبلاغتها وسائر علومها.

ومن وقف عنده العلم وعجزت به القدرة أن يعرف معنى كلمة أو سبب ورودها أو ترادف كلمتين، أو تشابه في المعنى بينهما، فلا يستعجل ويبدي رأياً من غير رسوخ، بل يرسم أمام قدميه خطاً أحمر ويصرخ بأعلى صوته: آمنت بالله وبكتابه الذي ليس من كلام البشر، وينتظر عسى أن يجد ما يسعفه، أو يعرف من الآخرين ما يشفي غليله، وما نراه من استعجال الكثيرين في تفسير كلام الله تعالى وتحميل النصوص ما لا تحتمل ساعة، وإدخال فيها من المعاني ما هي بريئة منه، كل ذلك مقصود منه تسخيف وتسطيح وتمييع كلام الله تعالى، قصد الفاعل أم لم يقصد، وكذلك لإظهار العلماء السابقين الراسخين بصورة السذج الذين مرت عليهم الآيات ولم يعرفوا معانيها.

أما عن الفرق بين الكلمتين فقد جاء في الكليات: (الإنجاء: قيل معنى أنجاه أخلصه قبل وقوعه في المهلكة، ونجّاه: أخلصه بعد الوقوع) [الكليات لأبي البقاء الكفوي ص 201 – مؤسسة الرسالة)

يقول العسكري في الفروق: (الفرق بين الإنجاء والتنجية: كلاهما بمعنى التخليص من المهلكة.

وفرق بعضهم بينهما فقال: الإنجاء في الخلاص قبل الوقوع في المهلكة، والتنجية يستعمل في الخلاص بعد الوقوع في المهلكة.

قلت: ويؤيد الأول قوله تعالى: {ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين} [الأنبياء: 9] فإن المراد بالمنجيْن: الأنبياء، وقد أنجاهم الله من العذاب قبل وقوعه على الأمم.

ويؤيد الثاني قوله تعالى: {وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب} [البقرة: 49] فإن إنجاء بني إسرائيل من آل فرعون وذبح أبنائهم، وتحميلهم الأعمال الشاقة كان بعد مدة من الزمان. هذا وقد يستعمل كل منهما في موضع الآخر إما مجازاً أو بحسب اللغة) [الفروق بترتيب وزيادة الشيخ بيت الله بيات، ص 77 – مؤسسة النشر الإسلامي-قم، ملاحظة: لم أجد هذا الفرق في نسخة مؤسسة الرسالة التي حققها جمال مدغمش، ولعلها زيادة من مخطوطة أخرى]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.