غضب الله وغضب رسوله

أشد ما يغضب الله تعالى أن يُعبد غيره، أو يُشركَ به، أو يُنسب له جلّ وعلا ما ليس فيه.

قال الله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم: 88-91] وروى الطبري بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: (إن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين) .

فإذا كان الشرك كذلك فكيف بتأليه غير الله تعالى، وزد عليه القول الشنيع بأن هذا الإله المخلوق لا سيما إن كان حيواناً هو الله جل وعلا؟

وما أصبر الله جلّ وعلا وما أحلمه على عباده؛ عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل، إنه يُشرك به، ويُجعل له الولد، ثم هو يعافيهم ويرزقهم» [البخاري ومسلم واللفظ له]

وذكر ابن العربي فيما جاء في الإسرائيليات والمعنى صحيح: (أن إبراهيم كان لا يأكل وحده، فإذا حضر طعامه أرسل يطلب من يأكل معه، فلقي يوما رجلاً، فلما جلس معه على الطعام، قال له إبراهيم: سمّ الله، قال الرجل: لا أدري ما الله؟ فقال له: فاخرج عن طعامي، فلما خرج نزل إليه جبريل فقال له: يقول الله إنه يرزقُه على كفره مدى عمره، وأنت بخلت عليه بلقمة، فخرج إبراهيم فزعاً يجر رداءه، وقال: ارجع، فقال الرجل: لا أرجع، حتى تخبرني لم تردني لغير معنى؟ فأخبره بالأمر، فقال هذا رب كريم، آمنتُ، ودخل وسمّي الله وأكل مؤمناً) [أحكام القرآن لابن العربي 3/20، دار الكتب العلمية، وتفسير القرطبي 11/167 مؤسسة الرسالة] من منّا يصبر على من شتمه وآذاه وأسمعه من قارص الكلام ما يقض مضجعه؟ بل ويزيد على صبره أن يغفر ويستر ويرزق شاتمه ما دام حياً؟ من يفعل هذا برأيكم؟

ونعود إلى ما فعل أولئك الذين عبدوا العجل، أن قالوا أن هذا إله موسى، وبدأوا يعبدونه فإن خار [من الخوار وهو صوت البقر] سجدوا وإن خار أخرى وقفوا وهكذا، وهم يرونه حيواناً عجلاً بالأمس كانوا يأكلونه ويحرثون الأرض بأمه وأبيه.

ولكن تأصل فكرة ترميز الإله بالشكل المادي أو الميثالوجيا، كان أمراً طبيعاً في الحياة الفرعونية، ولذلك لا أرانا أبعدنا النجعة عندما اعتبرنا الحقبة الفرعونية مِفصلاً من أهم مفاصل حياة بني إسرائيل.

والغضب هو السخط الذي يتبعه عقاب أو كراهة الشيء التي يتبعها شدة، أي يظهر ويقترن به فعل، والسخط هو الكراهية مع عدم لحوقه بشيء، والغيظ هو السخط مع عدم الفعل وقيل لعجز أو لمانع.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] وقال عزّ من قائل: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} [المائدة: 60] ولا أدري لماذا يطالب بعض أتباع اليهود أن يزال من الأذهان أن المغضوب عليهم هم اليهود؟ وأن يحذف تفسير الفاتحة من المناهج؟ لا أدري لماذا يطالبون بهذا؟ أتكذيباً لكتاب الله، أم تكذيباً لما عند اليهود أنفسهم في توراتهم، أم سقوطاً في وحل اليهود بعد أن صار التكالب عليهم لكسب مودتهم مفخرة وعزاً.

ولذلك كانت عقوبتهم من الله تعالى أن يقتلوا أنفسهم؛ قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 54] .

أما غضب رسول الله موسى عليه السلام فلا أدل عليه من قوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 150] فرجع غاضباً وألقى الألواح التي ذكرها الله تعالى في آيات قبلها فقال: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145] وقال عزّ من قائل: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154] .

ومع أنه عليه السلام كان على علم بأن قومه اتخذوا العجل إلهاً لهم وذلك من قبل أن يأتيهم ويرى بعينيه ما حصل، قال تعالى: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي} [طه: 83-86]

إلا أن رؤيتهم يعبدون العجل كانت أمراً مختلفاً وصدق من أوتي جوامع الكلم فداه أبي وأم وولدي عندما قال فيما رواه عنه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ليس الخبر كالمعاينة، إن الله عز وجل أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا، ألقى الألواح فانكسرت» [رواه أحمد والحاكم واللفظ لأحمد] ولعل بعض هذه الألواح التي كسرت ظل موجوداً في التابوت الذي ورد في قصة طالوت والله أعلم.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.