تكرار المعجزات وتتالي الآيات

الأصل في الآيات والمعجزات أن توجد في النفس يقيناً يدفع صاحبها إلى الاستسلام والانقياد. والمعجزة الواحدة تكفي للاستسلام والانقياد لأنها تخاطب العقل ومتى ما اقتنع العقل وقطع بما توصل إليه، فإن الزيادة لا تضيف له شيئاً اللهم إلا إن كان فيها تفصيلاً وإضافة.

ولكن عندما تتكرر المعجزات والآيات على العقل ويطلب المزيد، فهنا لن تكون المشكلة مشكلة قناعة بل تكون مشكلة نفسية. وبالمناسبة فإن المشكلة منذ خلق الخلق ووجد البعد عن منهج الله تعالى فلم تكن المشكلة قناعة أبداً ولطالما تدثر أصحاب الأهواء بالقناعات ليبرروا عبادتهم لأهوائهم وشهواتهم، فترى الواحد يدافع عن باطله وكأنه مقتنع به، بينما في داخله شيطان خبيث اسمه الهوى يحرك شفتيه كما يحرك صاحب السيرك دميته.

فسحرة فرعون على سبيل المثال رأوا ما تقطع عقولهم بصدقه فآمنوا ولم يطلبوا المزيد {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 120-126] وانظر إليهم وقد رأوا ما فعلته عصا موسى بسحرهم، فسجدوا لله تعالى وقالوا آمنا، وهنا نقف وقفة بسيطة لنركز على قولهم {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} إذ إن كلامهم هذا يدل على وجود شيء قد رسخ في النفس، ولم يكن وليد اللحظة، يذكرني إيمانهم هذا بموقف سيدنا حمزة رضي الله عنه، إذ يظن الكثيرون أنه آمن انتقاماً لابن أخيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما آذاه أبو جهل، وهذا غير صحيح بل إن الإسلام تمكن في نفس حمزة لما سمع من رسول الإسلام، وكانت الحادثة المشهورة سبباً لظهوره عنده، وهذا أمر طبيعي إذ يتلجلج في النفس فكر راسخ فتحصل المعاناة وقد يأتي انفجاره وظهوره لأهون سبب، ونعود إلى السحرة فنقول: إنهم عندما استمعوا لموسى من قبل هذا التحدي، فقد تلقوا ما قاله، ولكنهم كانوا بحاجة إلى المعجزة التي بمجرد أن رأوها آمنوا، وانظر إلى ما رواه ابن عباس وغيره من الصحابة فيما نقله الطبري في تفسيره وتاريخه: (التقى موسى وأمير السحرة، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق؟ قَالَ: نعم، قَالَ الساحر: لآتين غداً بسحر لا يغلبه سحر، فو الله لئن غلبتني لأومنن بك، ولأشهدن أنك على حق) [تاريخ الطبري 1/412 دار المعارف مصر، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم] فهذا الموقف يدل على وجود شيء من تجرد النفس وتطلع العقل إلى ما يقطع بصحة ما أتى به موسى، وإذا التقى التجرد مع التثبت فقد حصل الانقياد.

أما بنو إسرائيل ومما سيأتي فإن تسلسل المعجزات التي نزلت عليهم والآيات التي رأوها وطريقتهم في الطلب من موسى ليدل دلالة واضحة على أن ما في نفوسهم لم يكن تجرداً لينتج عنه انقياد بل كان عناداً وتكبراً.

وهاهم يخاطبون موسى فيقولون له: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} ويقولون: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ} وكأن الله تعالى ليس ربهم بل رب موسى وحده، هذا وقد رأوا من المعجزات ما تكفي الواحدة فيهم لتحقيق المقصود، ولكن لم يؤثر هذا فيهم شيئاً.

وانظر إلى سحرة فرعون فهم من أول وهلة قالوا: {آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ} وقد يقول قائل محاولاً تفنيد ما قلناه بقوله: هؤلاء السحرة قالوا {ربّ موسى وهارون} كما قال بنو إسرائيل لموسى فادع لنا ربك؛ فما الفرق؟

ونقول إن الفرق كبيرة فالسحرة قالوا آمنا برب العالمين وهم يسجدون، ثم أتبعوها بـ{ربّ موسى وهارون} لإبعاد الأذهان عن أن إيمانهم كان لفرعون لأن فرعون قد ادعى الألوهية {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] وكذلك لأن القبط كانوا يسجدون لفرعون، فهم قالوا رب موسى وهارون وكأنهم بقولهم هذا يقولون لفرعون آمنا برب العالمين رب موسى وهارون الذي كفرت أنت به، أو رب موسى وهارون وليس أنت.

ولنا تكملة في الاستعلاء والاشتراط إن يسر الرحمن عزّ وجل.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.