الاستعلاء والاشتراط

قلنا أن الأصل في الآيات والمعجزات أن توجد في النفس يقيناً يدفع صاحبها إلى الاستسلام والانقياد.

ولكن هذا لم يحصل مع هؤلاء، بل زادهم ذلك عناداً واستعلاء واستكباراً واشتراطاً، وإلا فمن ذا الذي يستعلي على رسول الله، ويشترط على الله، ويتألى عليه؟ إلا من لم يتأثر بما أتاه من ربه، وآثر العناد والاستكبار وعدم الانقياد.

انظر إلى قولهم: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةً} [البقرة: من 56 ] وأنا أستغرب من هذه العقول كيف تفكر، أو ليس الإيمان أمراً يخص الواحد فيهم وفيه مصلحته، فلم يعتبره منة منه على نبي الله، والأدهى من ذلك أنهم قالوا لن نؤمن لك وليس لن نؤمن لله، وفي هذا استعلاء واشتراط على موسى فهم يريدون أن يروا الله جهرة لكي يؤمنوا، ومن ناحية ثانية لو جاء هذا الكلام منهم من أول مرة أي من أول لقاء مع سيدنا موسى عليه السلام لقلنا أنهم ليسوا مؤمنين، ولكنه جاء بعد عدة آيات كما ذكرنا في الكلمة السابقة.

وما أجمل رد الله تعالى وهو يعلم رسوله ماذا يقول عندما حصل نفس الموقف مع مشركي قريش مع اختلاف النفسيات إذ إنهم لم يفعلوا طبعاً مثل بني إسرائيل من استعلاء واشتراط، بل طلبوا معجزات من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِالله وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً} [الإسراء: 90-93] فكان الرد الجميل {سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً} فهو ينزه الله تعالى عن أن يعجز عن أي شيء مما طلبوه، ثم يقرر لهم ما يجب أن يدركوه وهو أنه بشر لا يستطيع أن يفعل ما طلبوه منه، وأخيراً يضع القاعدة في كل معجزة يأتي بها الرسول بقوله: {رسولاً} أي إنني رسول من رب العالمين ألتزم بما يأتيني منه ولا أشترط عليه بل أنا مبلغ لما يأمرني بتبليغه وحامل لما أمرني بحمله ونذير وبشير بما أمرني.

ثم تراهم يقولون لموسى: ادع لنا ربك، وهذه تراها في أكثر من موضع وكذلك ستراها في قصة البقرة التي سنفرد لها كلمة خاصة، وهاهم يقولون لموسى ادع لنا ربك، وكأن الله ليس ربهم، أي سوء أدب مع الله؟ وأي انعدام للحياء؟ وأي انحطاط في المخاطبة؟

قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} [البقرة: من 61] وجاء هذا بعد الطعام الذي تفضل الله به عليهم في قوله تعالى: { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57] والمنّ مثل العسل الأبيض وقالوا التَّرَنْجَبِينُ ينزل على الشجر له طعم حلو وهو غاية في اللذة، والسلوى هي طيور السمان ونحن نعرفها إلى اليوم وفي بلادنا يسمونها (سِمّن سلو) وهذا الأكل الطيب الذي أنعم الله به عليهم بشكل فيه إعجاز طبعاً، طلبوا تغييره إلى الفوم وقيل على الأكثر أنه الحنطة وقال بعضهم أنه الثوم لأنه أخو البصل، والبقل وهو النبات الورقي الذي له ساق وقيل الكَرَفْسِ، والكُرّاثِ والقثاء هو الخيار، والعدس والبصل معروفان. فهم يقولون لرسولهم ادع لنا ربك، ويا ليتهم قالوا ادع لنا ربنا أو دعوا ربهم مباشرة كما فعل الحواريون عليهم السلام عندما أجابوا عيسى عليه السلام بقولهم: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى الله قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ الله آمَنَّا بِالله وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 52-53] .

وبالمناسبة فقد يقول قائل إن الإنسان إذا تعود على طعام واحد فإنه يملّ، ألا ترى أن الواحد فينا إن أكل لحماً كل يوم أو أي طعام من أطيب الأطعمة وأشهاها، فإنه يأتيه يوم يكره هذا الطعام، فيفضل العدس على اللحم، والجبن على الدجاج، والبصل على سائر الفواكه، وهذا أمر طبيعي في الإنسان، لأن الإنسان إذا ملّ يطلب التغيير، فلم نلوم بني إسرائيل على هذا الطلب؟

والكلام في أوله عن الملل من الطعام الواحد صحيح ولا ينكره ذو عقل سليم، ولكن المسألة هنا ليست بهذا الشكل، فالطعام الذي أنزله الله تعالى عليهم له طبيعة خاصة وهي أنه من آيات الله تعالى، فهو خارج عن كل الطعام الذي يعرفه البشر، والناحية الثانية هو رد سيدنا موسى عليه السلام وهو بشر مثلهم يحس بإحساسهم ويعتريه ما يعتريهم من الملل وطلب التغيير، ولكن رده عليهم يُفهم منه خلاف ما يظنه السائل، فهو يقول لهم: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} إذ لو كان الموضوع هو الملل لكان لهم حق فيه ما دام الله تعالى لم يسلبهم هذه الخاصية البشرية، ولكن رد موسى يفهم منه غير ذلك فهم يريدون استبدال الذي طلبوه بما هو خير منه وهو الذي أنزله الله تعالى عليهم، ولذلك قال لهم اهبطوا مصراً أي انزلوا في أي مصر من الأمصار وليس مصر المعروفة طبعاً لأن مصر المعروفة والتي كانوا فيها ممنوعة من الصرف، أي اذهبوا إلى إي مصر من هذه الأمصار لتزرعوا فيها ما تريدون أو تأخذوا منها ما تريدون من البقل والثوم والبصل وغيرها مما طلبتم، وهنا لم يستجب لهم موسى بأن يدعو ربه كما فعل معهم في قصة البقرة كما سيأتي، بل نهرهم، مما يفهم منه أن الطعام الذي أنزله الله تعالى عليهم لا ملل فيه.

ولو كانوا مؤدبين مع الله تعالى لقالوا: لقد قبلنا ما أنزل الله علينا من طعام ولكن نريد من الله تعالى أن يزيل عنا الملل، ولكنهم لم يفعلوا لقلة أدبهم وسوئه مع رب العزة ومع رسوله عليه السلام.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.