جواب سؤال حول الضمير

لإثراء الموضوع ولتوضيح بعض ما خفي فيه، أجيب على هذا السؤال من أحد الإخوة المتابعين بارك الله فيه حول كلمة الضمير التي أنزلتها مؤخراً للاستماع، وإلا فالموضوع نزل في 2016/8/19 ونص السؤال هو:

السلام عليكم وجزاك الله خير الجزاء على تبيين أهمية تقوى الله وأنها هي الفيصل والضابط المتحكم على أعمالنا، نعم، والواجب أن يقال (اتق الله) لا غير.

أريد أن أستفسر عن الألم الشديد الذي ينتابنا عند الذنب والإثم والظلم هل هو ما يقصدونه بالضمير أو الفطرة السليمة؟

ولكن نعم، هم يريدون تخويفنا بألم الضمير لا بتقوى الله. انتهى

وإجابتي على هذا السؤال الجميل ما يلي:

ما يحصل للمؤمن عندما يعصي الله تعالى هو الندم الناتج عن تذكر الله تعالى وتذكر معصيته وليس أي ندم، والندم هو الأسف على أمر فات وما كان له أن يكون كما فات، فالإنسان لا يندم على فعل خير فعله، أو قول معروف قاله، وإنما يندم ويأسف على فعل قبيح كالظلم والسرقة، أو قول بذيء كالكذب والنميمة، هذا هو الندم بشكل عام، ولذلك فإنه لا يحصل لمن لم يعتبر الفعل قبيحاً والقول بذيئاً. لننتبه لهذه النقطة.

أما الندم الذي لا تشترط فيه قناعة النادم بخطأ فعله، فإنه الندم الذي يحصل منه عندما يرى سوء عاقبة فعله فيندم ويتمنى لو لم يفعل ولم يقل، كما جاء في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } [يونس: 54] فهؤلاء لم يندَموا على ما فعلوا من كفر بعد ما فعلوه وإنما ندِموا لما رأوا العذاب يوم القيامة، وشتان ما بين الحالتين، ومنهم أولئك الذين يحاولون أن يتملصوا من العذاب لما رأوه فيزعُمُون أنهم لو أُرجعوا إلى الدنيا لآمنوا، وما هم كذلك بل كل هذا بسبب رؤيتهم العذاب، كما قال تعالى: {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 27-28]

وما يصيب المؤمنَ عندما يرتكب معصية صغيرة كانت أو كبيرة، أن ما عنده من العقيدة أي الإيمان، وما انبثق عنها من أحكام شرعية عرفها وتمثل بها، فإن ذلك أوجد عنده معياراً للصواب والخطأ، للطيب والخبيث، للثواب والعقاب، ولذلك فإنه إن غلبته الشهوة فارتكب معصية، فإنه إن تفكر في معصيته فسرعان ما تبرُز هذه المفاهيم التي يحملها والتي تتناقض مع معصيته فتُظهرُ له سوء عمله، فإن هذا كله يوجد عنده الندم على ما فعل.

ولاحظ أخي الكريم أنني لم أنف وجود الضمير، بل ذكرت في الكلمة السابقة أن للضمير تأثيراً على الإنسان وضربت له مثلاً المرأة العفيفة وإن كانت غير مسلمة، وأهل الشرف الذين لا يفعلون القبيح محافظة على شرفهم. لقد التقيت بشخص قبل أربعة عقود في بلد ما وكان من الذين يشربون الخمر والعياذ بالله تعالى، وسئل أمامي: أنت تشرب الخمر فلم لا تزني؟ فأجاب: أنا أستقبح الزنا ولا أتصور نفسي أن أعاشر امرأة فاسدة ثم أعاشر زوجتي الطاهرة العفيفة، فهذا الشخص يشرب الخمر ولا يتورع عنها، وهو لا يفعل الزنا إلا عفة لزوجته الطاهرة، وهذا لم تمنعْه التقوى لأنه يقر بمعصيته، وكذا قبله سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما قال فيما رواه أحمد: (وَلَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَقَدْ تَرَكْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَكَرُّمًا)

وما أجملُ قولِ عنترةَ:

فَإِذَا شَرِبْتُ فَإِنَّنِي مُسْتَهْلِكٌ … مَالِي وَعْرِضِي وَافِرٌ لَمْ يُكْلَمِ

وَإِذَا صَحَوْتُ فَمَا أُقَصّرُ عن نَدَىً … وَكَمَا عَلِمْتِ شَمَائِلِي وَتَكرُّمِي

أما الإسلام فإنه عندما جاء فإن عقيدته وأحكامه غلبت كل ما وُجد في الإنسان من شرف وعفة وكرامة، بل وكلِ ما ارتآها من فضائلَ تربى عليها، فالعرب مثلاً لا يتورع البعض منهم عن وأد البنات ولا يرونه سوءاً وظلماً، فلما جاء الإسلام جعله من الرذائل فقبحه وبكّت فاعله، قال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 58-59] وكذلك الانتصار للقبيلة وحب الوطن، ونصرة الأخ ظالماً أو مظلوماً كل هذه فضائل وعادات ترسخت في أعماق الناس فصار لها دور التوجيه الإيجابي والتوبيخ السلبي، وهي مما يصلح أن يطلق عليه مكامن الضمائر، فلما جاء الإسلام هذبها بعقيدته وأحكامه فجعل الانتصار للقبيلة محكوماً بشرع الله تعالى، فحرم الجَوْر والظلم وأكل حقوق الآخرين، بل جعل التفاخر من القبائح، ولو اتسع المجال لأتينا بالأدلة المستفيضة على كل ذلك، ولم ينف حب الوطن وهو مما فُطر عليه الإنسان بطبعه، ولكنه حرم عليه أن يجعل هذا الحب فوق العقيدة وأحكام الدين، قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الله أَلَا إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] وقال عز من قائل: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] وقال عليه وآله أفضل الصلاة والسلام: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخُرْء بِأَنْفِهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» [رواه أبو داود والترمذي]

فالإسلام لم ينف ما في النفوس من عفة وشرف وحب وغير ذلك ولكنه وضع مكانها أحكامه التي جعلت تقوى الله تعالى والسعي لنيل رضوانه فوق كل شيء، فلا يستنكف الإنسان عن فعل ما أمره به الشرع بحجة أن عاداتِه وتقاليدَه وما تربى عليه تناقضه، بل يضع كل ذلك تحت قدمه من أجل حكم الله تعالى، وهذا ما تربى عليه الصحابة الكرام في مواقفهم التي سطروها بتقوى الله تعالى والتزام أمره وطاعة رسوله عليه وآله أفضل الصلاة والسلام.

وبعد، فإن المسلم إن عصى الله تعالى فارتكب ذنباً فإنه بمجرد أن يتذكر الله تعالى وحرمة ما فعله فإن هذا يوجد عنده الندم على ما فعل، عن عبد الله بن معقل قال: كان أبي عند ابن مسعود فسمعه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الندم توبة» رواه أحمد.

ولذلك فإن المؤمن مهما عصى وأذنب وهذا أمر طبيعي في البشر فإنه يعود مستغفراً تائباً، كما أخبرنا عليه الصلاة والسلام بقوله فيما رواه مسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لو لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لهمْ» وقال عليه السلام: «كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطّائينَ: التَّوَّابونَ» [رواه الترمذي]

فالفرق بين المؤمن وغيره أن المؤمن يتذكر اللهَ دائماً فيخشاه ويندَمَ على ما فعله فيتوبَ، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد والبخاري وغيرهما: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا» وقال به هكذا أي حرك يده تجاه أنفه وهي حركة عفوية يفعلها الجميع لطرد الذباب.

وأخيراً قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

للاستماع إلى الكلمة

https://youtu.be/4ACcMlMq084

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.