كل شيء بين يديك ولكن

انتشار البرامج، ومصادر المعلومات، وموسوعات الإنترنت، والمواقع المختلفة من ناحية، وسهولة التعامل بها عبر أجهزة الكومبيوتر أو النقالات أو الآيباد أو غيرها من ناحية أخرى، يسر كل ذلك المعلومة للجميع وبشكل يفوق التصور.

صارت المعلومة في متناول الجميع، يُذكر أمر ما فيتناول كل واحد جهازه ويضرب عدة ضربات، وخلال دقائق يصبح هذا الضارب عالماً بالموضوع فيتحدث به، وقد يضيف عليه أو ينقص منه، ولكنه في النهاية صار عالماً به.

بالأمس القديم كان الناس ينتظرون من يدخل عليهم ليجيبهم على سؤال ملح، أو مسألة مستعصية، في الدين أو الثقافة أو التاريخ أو الطب أو سائر الفنون، ثم صاروا بالأمس القريب يتصلون بمن عنده القدرة ليجيب ويحل الإشكال، أما اليوم فلا حاجة لكل ذلك، ضغطة على عدة أزرار فيكون العالم والطبيب والمؤرخ بين يديك يحدثك بما تريد.

خطورة هذا المنهج الجديد في التلقي (لنا وقفة مع منهج التلقي في المدونة إن شاء الله تعالى) أنه يجمع الغثّ بالسمين، يخلط المعلومة الصحيحة بالمكذوبة أو الخاطئة، ينأى بالعقول عن التثبت والرجوع إلى الأصول لدراستها وفهمها على حقيقتها، يزرع الثقة فيما لا يستحق الثقة.

ومن ناحية ثانية، فإن الذين يتلقون ذلك كله أو أغلبهم جيل جديد لم يتعلم الرجوع إلى المصادر ومظانّ المعلومات، جيل خرج إلى الدنيا وبيده جهاز الاتصال بالعالم، يبحث عن الواي فاي أينما وجد، لم يعرف معنى التوثيق، والرجوع، والتأكد، والعزو.

وثمن هذا كله ندفعه من ثقافتنا وديننا وتاريخنا، ومنهاج حياتنا.

عندما تكون أحكام ديننا نهباً لأشباح تكتب فيها ما تشاء في التويتر والواتساب والفيسبوك وغيرها.

عندما نستمد تاريخنا بهذا الشكل المائع بلا تثبت.

عندما نتلقى النصائح الحياتية ممن لا يحسنها.

عندما نضع أشخاصاً تحت مجهر النقد والتشريح لمجرد معلومات تسيء إليهم لا نعرف مدى صحتها.

عندما يحصل ذلك كله فإننا ندفع الثمن وأي ثمن؟ أغلى ما يمكن لأمة أن تضحي به في حياتها.

علينا أن نربي أولادنا على «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع» [حديث شريف، رواه مسلم] وعلى الرجوع إلى المصادر قبل بناء الآراء، فما بني على باطل لن يكون إلا باطلاً.

وقد يقول قائل: إنك تقليدي جامد، لا تحب الاستفادة من العلوم الحديثة ولا وسائل الاتصالات والمعلومات المتوفرة. وأجيب بأنني أفرق بين البحث عن المعلومة، وبين اعتمادها دون مصدر.

هذه التقنية الحديثة مريحة جداً، وتوفر الوقت والجهد في البحث عن المعلومة، صحيح، ولا ينكر هذا أحد، فعندما كنا نبحث عن الحديث الشريف مثلاً كنا نتعب كثيراً للحصول عليه سواء كان من كنز العمال أو من غيره من فهارس الكتب الحديثية ككتب الأطراف وغيرها، وعندما ظهر للوجود المعجم المفهرس لألفاظ الحديث سعدنا به وتلقيناه بقوة فرحين به، إذ وفر لنا الكثير من الجهود والأوقات، ولكن أين هو الآن؟ صار نسخة تاريخية أثرية أحتفظ بها للتاريخ، ليس غير، لأنني إذا أردت حديثاً الآن فإن كل ما أقوم به هو كتابة طرفه أو كلمة منه فأجد منه العشرات على الإنترنت، وهذه هي الفائدة الحقيقية من الإنترنت، ولكن هل يصح أن يؤخذ نص الحديث مع تصحيحه أو تضعيفه من النت ويوضع في بحث، أو يبنى عليه حكم شرعي دون أن يرجع إلى مصدره الحقيقي فينظر فيما إذا كان منقولاً بشكل صحيح أو غير ذلك؟

هذا ما أقصده بالضبط، أن نستفيد من النت والتقنية الحديثة في توفير المعلومة كي تعطينا الخيوط التي توفر علينا الوقت والجهد، لا أن تكون المرجع النهائي لنا.

والناس على كل حال بشكل عام يحبون الغرائب، وينتعشون بالغموض، وينتبهون لكل ما خالف الأعراف والمعلومات السائدة، ولذلك فإنهم يكونون في وضع يجعلهم عرضة لتقبل كل شيء غريب ولو كان مكذوباً، وكل معلومة غامضة ولو كانت خاطئة، ناهيك عن الفبركات والفوتوشوب وغيرها من الفنيات التي صار بإمكان محترفيها أن يجعلوا من الخيال حقيقة، ومن العدم وجوداً.

علينا أن نحسن التعامل مع كل ما ذكرناه من التقنيات الحديثة، ولنعرف كيف نستفيد منها في ديننا وتاريخنا وثقافتنا وحياتنا العملية، أن تعطينا الخيوط التي تقودنا للمعلومات الصحيحة، لا أن تكون مصدراً للمعلومات الصحيحة، فننساق وراءها وننسى الرجوع إلى المصادر للتوثيق والتأكد، وعلينا أن نربي أبناءنا وبناتنا على ذلك، خاصة وأنهم يعيشون في زمن قلّ فيه الاطلاع وغاضت فيه القراءة، وندر فيه الجلوس إلى المعلمين والاستماع إليهم.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

للاستماع إلى الكلمة كاملة على الرابط أدناه

https://www.youtube.com/watch?v=yUWrIWbrQQU&t=15s

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.