منهج التلقي: التجرد

يفيدنا كثيراً أن نتحدث قليلاً في منهج التلقي، سواء أكانت الفائدة لنا لنعرف كيف نتلقى، أم كانت لغيرنا لنعرف كيف نفهم الناس ونتفاهم معهم ليحسنوا التلقي، ولعل الثانية أهم من الأولى، وأقصد بهذا المنهج: كيف نتلقى الخبر، المعلومة، الحكم، الرأي، كيف يتهيأ الفرد ليحسن التلقي، وليكون لهذا التلقي أثر عليه يفيده في دنياه وآخرته.

وحتى يكون التلقي منتجاً لا بد من ملاحظة ثلاثة أمور تتعاقب في أهميتها، وهي التجرد والتثبت والانقياد.

وسنتحدث اليوم عن التجرد وهو أن يتخلى الإنسان عن كل المؤثرات التي تحول دون التوصل إلى الحق. ومما يؤثر على التجرد:

أولاً: التأثر بالواقع:

مثل قولهم (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [ص: 5] (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: 31] فقد حجب التأثر بالواقع عقولهم عن التفكير لمعرفة الحق، فهم يعجبون من جعل الآلهة إلهاً واحداً وكأن المسألة عدد وليست فكراً، ثم إنهم يريدون أن ينزل القرآن على الوليد بن المغيرة أو عروة الثقفي متأثرين بواقع هذين الرجلين ولم يلتفتوا إلى كون القرآن حقاً أم لا، ومثل ذلك عدم التطلع للتغيير تأثراً بضغط الواقع وتصور صعوبة تغييره.

ثانياً: المصلحة:

قال تعالى (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) [البقرة: 79] وهذا أعظم مثال على المصلحة وهي ما تدره التجارة بالدين على مر الأزمان من فوائد دنيوية، وتتنوع المصالح بحسب الظروف والبيئات، فقد تكون حكماً أو منصباً وقد تكون متعة، وقد تكون وجاهة وغير ذلك، وكم من ذمم اشتريت، وكم من نفس باعت نفسها لمصالح دنيوية تافهة.

ثالثاً: الخوف من العقبات:

قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الحج: 11] وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) [العنكبوت: 10] وقد لا تكون العقبات في كل الأحوال تعذيباً أو قتلاً أو إهانة بل قد تكون الخشية من مخالفة ما يسير عليه المجتمع.

رابعاً: الكبر:

(وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً) [نوح: 7]

(فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) [هود: الآية 27] وقيل وهو قول حق: (ضاع العلم بين الحياء والكبر)  فقد لا يقبل المعلم الحق من تلميذه تكبراً عليه، وقد يأنف قائد من قبول رأي مقوده تكبراً عليه، فالكبر يورد الإنسان المهالك من حيث لا يدري.

خامساً: الهوى:

والهَوَى محبةُ الشيء وغَلَبَتُه على القلب؛ قال الله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [النازعات: 40-41] أي نَهاها عن شَهَواتِها وما تدعو إِليه من معاصي الله عز وجل، وعادة ما يكون صاحب الهوى صعب التجرد، قال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) [الفرقان: 43-44] وقال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [الجاثية: 23] .

وقد ذم الله تعالى من اتبع هواه فقال جل وعلا: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف: 175-176] .

كما أن الله تعالى نهى في عدة آيات عن اتباع صاحب الهوى فقال تعالى: (فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) [طه: 16] وقال تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [الشورى: 15] وقال تعالى محذراً من اتباع أهواء من لا يريدون شرع الله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ 48 وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ 49 أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 48-50].

قال النعمان بن بشير رضي الله عنه: (إن للشيطان مصالي وفخوخاً، وإن مصالي الشيطان وفخوخه البطر بأنعم الله، والفخر بعطاء الله، والكبرياء على عباد الله، واتباع الهوى في غير ذات الله) [ابن عساكر بإسناد حسن وهو حديث موقوف] .

ولا يقال أن الوصول إلى الحق موضوع قناعات فقط، بل إن للهوى وغيره تأثيراً على النفس وأي تأثير، فكم من نفوس اقتنعت بالحق ولكنها صدت عنه لهواها أو لتأثرها بالواقع أو لخشيتها من عقبات الحق:

قال المغيرة بن شعبة رضي الله عنه : (إِنَّ أَوَّلَ يَوْمٍ عَرَفْتُ فِيهِ رَسُولَ الله عليه الصلاة والسلام أَنِّي كُنْتُ أَمْشِي مَعَ أَبِي جَهْلٍ بِمَكَّةَ , فَلَقِينَا رَسُولَ الله عليه الصلاة والسلام فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحَكَمِ, هَلُمَّ إِلَى الله وَإِلَى رَسُولِهِ وَإِلَى كِتَابِهِ أَدْعُوكَ إِلَى الله, فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ, مَا أَنْتَ بِمُنْتَهٍ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا, هَلْ تُرِيدُ إِلا أَنْ نَشْهَدَ أَنْ قَدْ بَلَّغْتَ, فَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنْ قَدْ بَلَّغْتَ, قَالَ: فَانْصَرَفَ عَنْهُ رَسُولُ الله عليه الصلاة والسلام، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: وَالله إِنِّي لأعْلَمُ أَنَّ مَا يَقُولُ حَقٌّ، وَلَكِنّ بَنِي قُصيّ قَالُوا: فِينَا الْحِجَابَةُ. فَقُلْنَا: نَعَمْ. ثُمَّ قَالُوا: فِينَا الْقِرَى. فَقُلْنَا: نَعَمْ. ثُمَّ قَالُوا: فِينَا النَّدْوَةُ. فَقُلْنَا: نَعَمْ. ثُمَّ قَالُوا: فِينَا السِّقَايَةُ. فَقُلْنَا نَعَمْ. ثُمَّ أَطْعَمُوا وَأَطْعَمْنَا، حَتَّى إِذَا تَحَاكَّتِ الرُّكَبُ، قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ، وَالله لا أَفْعَلُ) [ابن أبي شيبة] .

ومثل هذه النفسيات لا يحرص على إقناعها بقدر الحرص على إيمانها أولاً إن لم تكن مؤمنة، وإن كانت مؤمنة فتذكيرها بالتقوى والآخرة لتتجرد من هواها فتقبل على الحق طالبة إياه.

إلا أن من الناس من تجردوا لله تعالى فلم يكن للهوى وغيره مما ذكرناه أي تأثير عليهم، وهؤلاء لا ينقصهم سوى القناعة ثم الانقياد الطبيعي لها لأنه ليس للهوى في نفوسهم نصيب.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

للاستماع للكلمة كاملة

https://www.youtube.com/watch?v=0wfewu8glto&t=26s

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.