منهج التلقي: التثبت

بعد التجرد يأتي التثبت، وفيه عدة أمور نذكرها اختصاراً.

أولاً: الدليل الشرعي: وهو القرآن الكريم والسنة النبوية بأنواعها، وما اتصل بهما، والقواعد وغيرها مما يستدل به على الحق المراد تلقيه.

والقرآن الكريم والحديث الشريف وأقوال الصحابة والتابعين وآراء العلماء؛ تلك كلها وصلت إلينا بالسند المتصل، ولذلك فلا بد من معرفة الأسانيد والتثبت من صحة ما روي وفق منهج العلماء في الجرح والتعديل ووفق فهم الفقهاء من أخذ الحديث أو رده حسب المتقدم والمتأخر والعام والخاص وغير ذلك من علوم الشرع التي اضطلعوا بها فصاروا أهلاً للنظر في الأدلة والتوفيق بينها، وليس للمسلم أن يتجرأ على الخوض في أي دليل ما لم يكن عالماً بكل ما يتعلق به، وعنده مفتاح الفهم وهو اللغة العربية، وهي ليست اللغة العصرية ولا لغة الجرائد ولا لغة العوام بل لغة العرب الذين تواضعوا عليها ونزل القرآن الكريم بها ونقلها لنا العلماء كما نقلوا لنا القرآن والسنة.

ثانياً: التاريخ: والتاريخ يؤخذ كما يؤخذ الحديث، خاصة إذا كان يتعلق بالرسول عليه وآله أفضل الصلاة والسلام وبالصحابة الكرام، والسيرة وإن كانت من التاريخ إلا أنها تدخل في الحديث لكون ما فيها أدلة شرعية وذلك وفق منهج العلماء في الاستدلال بها والتساهل فيما لا يتعلق بالتشريع ولهم في ذلك تفصيلات رائعة وجهود جبارة.

ولا يكفي عند البحث عن الحق الاستدلال بروايات التاريخ من السماع أو من كتب التاريخ الحديثة التي يغلب عليها مجرد العزو دون التحقيق، أو تلك المادحة التي تحاول أن تزين لنا تاريخنا وكأنه ليس فيه عيب واحد أو القادحة المهووسة بجلد الذات، أو من الإعلام كالمسلسلات التلفزيونية وغيرها. فهذه كلها آفات العلم وطاعون الاستدلال، كما لا يقبل الاستدلال من غير مظان الدليل، فالحديث يؤخذ من كتب الحديث كالصحاح والمسانيد والمعاجم وغيرها، ولا يؤخذ من كتب الأدب وروايات القصاصين.

ثالثاً: آراء الأشخاص والجماعات: وهذه لا يصح أن تؤخذ إلا من أصحابها، فلا تجوز محاكمة شخص بناء على آرائه التي نقلت عنه، ولا تيار أو جماعة أو غير ذلك مما يكتب من قبل الآخرين، وكم ظلم الكثيرون بسبب ما ينسبه إليهم الآخرون.

ويجب الابتعاد عن مقولة (لا يستبعد منه ذلك) وهذه المقولة تذكر دائماً عندما يذكر كلام لعالم من العلماء المعروفين بكتم الحق مثلاً أو غير ذلك فيه مخالفة للشرع أو مناقضة للمألوف دون التثبت من مصدره ، فيقول السامع: لا يستبعد منه ذلك. وقد بنى قوله هذا على معلوماته السابقة عن هذا العالم من كونه جريئاً على الفتوى مثلاً أو أنه يحل الحرام ويحرم الحلال، وهذا خطأ فقد يكون ما نسب إلى هذا العالم مكذوباً.

رابعاً: الأخبار: والأخبار بأنواعها يشترط فيها التثبت من صحتها وصدق مصادرها التي أتت منها، بغض النظر عن نوع هذه الأخبار فقد تكون معلومات سياسية حول حدث معين، أو أخباراً تتنامى عن شخص أو حادثة أو أخباراً عن منتج تجاري ذماً أو مدحاً، أو غير ذلك.

ولا بد من الانتباه إلى أن الأخبار التي تحوي توجيها للمتلقي لا تعد أخبارا ولا يصح التعامل معها على أنها أخبار أي معلومات عن الحدث أو الواقعة أو الشخص، بل يتعامل معها كآراء لأنها بالفعل آراء تلبس لباس الأخبار لتوجه الرأي العام أو لتصيغ متلقيها، وهي الطاغية في هذه الأيام إذ لم يعد للمصداقية مكان في الإعلام إلا ما ندر، والكل يوجه الخبر وفق مراده، فتجد حدثا واحدا يتناوله كلٌ من وجهة نظره فهذا ينتصر له وذاك يحاربه، والمتلقي هو الوعاء الذي يصب فيه هؤلاء أخبارهم الموجِهة والتي غالبا ما تكون افتراء على الحدث نفسه.

خامساً: التعريفات والحقائق العلمية: وهذه يرجع فيها إلى مصادر معرفتها الأصلية، وإلى أصحاب الاختصاص فيها، وليس على طريقة (اربط اصبعك سينعت الكل لك دواء) .

ومن التثبت أن يُنقل الواقع كما هو لا كما يريده من نقله، فينقل السامع ما سمعه فقط لا ما فهمه، وينقل الرائي ما رآه فقط لا ما يريد أن يراه، مع مراعاة الأجواء التي يتم فيها النقل، فلا تنقل مزحة على أنها جد، إذ يجب أن يعرف الواقع الذي حصلت فيه المعلومة عند نقلها، وكم من مظلوم بسبب النقل الخاطئ عنه، فعلى المتلقي أن يتثبت مما ينقل إليه وفق قوله جل وعلا: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) [الحجرات: 6] .

ولا تمنع الثقة بناقل المعلومة من التثبت أيضاً، فقد تثق بمن نقل لك المعلومة ولكنك لا تعرف الناقل الأصلي لها ما إن كان ثقة أم ليس بثقة. فإن أعطاك من تثق به عسلاً أو زيتاً مثلاً وقال لك إنه أصلي ولا غش فيه، فصدقه ولكن لك أن تعرف من أين جاء به، فلعل المسكين قد وقع في مصيدة غش من أعطاه إياه.

فلا تمنع الثقة بالعالم مثلاً التثبت مما استدل به في اجتهاده، أو أقوال العلماء التي ذكرها، أو المصادر التي عزا إليها، والبحث والتقصي وراء أدلته وأقواله لا يعني بالضرورة عدم الثقة به. وعليه هو إن كان مرهف الإحساس ألا يغضب إذا سئل عن صحة أدلته أو نوقش فيها، إذ الثقة لا علاقة لها بهذا الأمر إطلاقاً.

بقيت النتيجة النهائية من هذا كله وهي الانقياد، وموعدها في الكلمة القادمة إن يسرها المولى عز وجل.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

للاستماع إلى الكلمة كاملة في الرابط أدناه

https://www.youtube.com/watch?v=4jbu7Sa7a1w&t=20s

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.