منهج التلقي: الانقياد

بعد التجرد يأتي التثبت، وبعد التثبت يأتي الانقياد

والانقياد هو الانصياع للحق واتباعه، وهو أدق من الاستسلام لأن الاستسلام فيه معنى الرضوخ ولو عَنوة أما الانقياد فهو عن اختيار ورضاً.

والانقياد هو الحالة الطبيعية لمن وجد عنده التجرد ثم قام بالتثبت، ولذلك فإنه سيتلقى بنفس مطمئنة لا تشوبها شائبة الهوى ولا يعتريها قلق الريبة. وهذا التلقي يكون في كل شيء يتعلق بالحياة مهما صغر أو كبر، فمن تجرد وتثبت في تلقي النصيحة في أي أمر فإنه سيأخذها وينقاد لها مهما كان مصدرها، وقس على ذلك كل شئون الحياة من تطبب واستعلام واستصلاح وغيره.

أما الانقياد في الدين فهو الأشد خطرا، لأن أثره السيء يسحب المتلقي فيه إلى ما بعد الحياة، وهذا مكمن الخطر.

قال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) [النور: 51-52] فقدم السمع على الطاعة ليبين أن الاستماع إلى الأمر يكون أولاً ثم تكون الطاعة، وقال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) [النساء: 65] .

فالأصل هو الاحتكام، ثم صدور حكم الله ورسوله ثم رضا النفس وعدم تحرجها، ثم التسليم في الحال، وجاء المفعول المطلق ليكون دليلاً على أهمية التسليم، فهو تسليم أمام الحاكم وتسليم مستمر.

ولما نزل قوله جلّ وعلا: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) [النساء: 66] قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لو كتب ذلك علينا أنا أول خارج. وقال ثابت بن قيس بن شماس: لو أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أقتل نفسي لفعلت. وكذلك قال عُمر وعمارُ بن ياسر وابنُ مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي الله عن صحابته أجمعين: لو أمرنا لفعلنا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: (إنَّ مِن أُمَّتِي رِجَالاً: الإيمَانُ في قُلُوبِهِم أثبَتُ مِنَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي) [ابن أبي حاتم والمنذري بإسناد مرسل وهو من الحسن] فهؤلاء من القليل.

والانقياد للحق واتباعه لا يصلح فيه إلا الإصرار على الحق مهما كانت الظروف، ذلك أنه من الصعب على الإنسان في بعض الأحيان أن ينقاد للحق رغم قناعته به سواء أكان لهوى في نفسه أم كان خشية مخالفة الجماعة التي حوله أم غير ذلك من الضغوط، وكذلك الرضوخ للحق إن جاء ممن هم أدنى قدراً أو أقل علماً أو أصغر سناً، ولذلك كان من أخلاق العظام الرضوخ للحق والانقياد له بغض النظر عن مصدر هذا الحق.

وأخيراً، إننا بحاجة لأن نربي نفوسنا على أن نحسن التلقي، بالتجرد والتثبت والانقياد، لكي نحسن إيجاده في أبناء أمتنا الذين يعيشون تحت ضغط الواقع السيئ، وتسممت أجواؤهم بالمفاهيم الخاطئة، وعجنت نفسياتهم بالكبر والمصلحة، والبحث عن المتعة ونسيان الآخرة.

كما أننا بحاجة أيضاً ليكون الاستماع سجية من سجايانا، وأن نحسن الاستماع كما نحسن التكلم، وأن نستمع لنفهم كي نرد أو نكتفي، لا أن نستمع لنرد فقط دون فهم ما يطرحه الطرف الآخر.

وختاماً، لا بد من التجرد من كل ضغط للواقع، أو حرص على مصلحة، أو تكبر أو هوى من أجل معرفة الحق.

ولا بد من التثبت من كل شيء فلا يهب أذنه لكل من هب ودب ليجلس القرفصاء فيها ويحدثه بما يشاء.

ثم لا بد من الانقياد للحق واتباعه رغم كل الظروف.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

للاستماع إلى الكلمة على الرابط أدناه:

https://www.youtube.com/watch?v=TIJNI1aSDTo&t=176s

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.