العلماء ليسوا أنبياء

أولاً لا بد أن أشير إلى أنه ليس المهم في اللفظ أن يكون دقيقاً فحسب، فقد يراد منه ما يستخدم بين العامة وفي هذا بعض العذر لقائله، وقد يذكره العالم لأنه يعرف أن غيره سيفهمه كما يريده هو (مثل أن يقال عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه مشرع أو أن يقول النحويون عن حرف في القرآن الكريم أنه زائد بمعنى لا عمل له) ولكن المهم هو المعنى المراد من اللفظ، أو بصورة أخرى مرمى قائله منه.

ومن ناحية أخرى، فإن الحديث عن كلام خطأ لتصحيحه أو رأي شاذ لدحضه لا يعني الطعن في نية القائل ما لم يظهر عليه ما يوجد مبررات للطعن، ولا حاجة للقول: إنه لا يقصد. لأن القصد لا قيمة له إذا كان الكلام انحرافاً.

أما تجدد العلم فقد ردده البعض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو توقف الأمر عند هذا الحد لقلنا خطأ يمكن تصحيحه، ولكن أن يستدل منه على تجدد العلم عند العلماء ليوضعوا في مقام الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من حيث التشريع، فهذا ليس خطأ بل هو خطر لا بد من الانتباه له.

خلاصة القول أن من استدل بقوله تعالى (وقل رب زدني علما) على تجدد العلم عند رسول الله عليه الصلاة والسلام وبالتالي تجدده كذلك عند العلماء، مما يعني أهليتهم لتغيير الأحكام كما حصل من الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، فقد جانب الصواب (إن أحسنا الظن) وإليك البيان:

بالنسبة للعالم، فهو بلا شك كلما اطلع وكلما علم بأدلة لم يكن يعلمها من قبل فإن هذا مدعاة ليغير رأيه فيما إذا كان ما اطلع عليه أو ما استجد لديه يستدعي هذا التغيير. إلا أن تغيير الفتوى يكون بتغير النص أو بتغير فهم النص، لأن البيئة والزمان والمكان إذا تغيروا فإن لهم في الشرع حكما، ولا يقال غيرنا الحكم لتغيرهم، لأنه سيكون حكما آخر وليس متجدداً أو متغيراً، لا بد من ملاحظة هذه النقطة.

مع ملاحظة أيضاً أن انعدام وجود مناط التطبيق لا يعني وجوب إيجاده بحجة وجوب إيجاد الحكم المنوط به، فإذا انقطعت عادة ربا التهادي بين الناس أو عادة تلقي الركبان كواقع مثلاً، لا يقال بوجوب إيجادهما (إيجاد الواقع المعدوم) لإيجاد الحكم المتعلق بهما وهو الإباحة والنهي. لأننا مسئولون عن تطبيق حكم الشرع على الواقع وليس إيجاد الواقع لتطبيق الحكم عليه. أرجو أن ننتبه لهذه.

والعالم عندما يبحث يستجد عنده ما كان يفقده من قبل -وهذا أمر طبيعي بين العلماء- وهو بهذا يمتثل لأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بالتعلم، والمرء يظل جاهلاً حتى يتعلم، وكلما تعلم كلما تأكد من جهله السابق. وعليه حينها أن يبين حكم الله تعالى حتى وإن خالف حكما رآه من قبل.

فالموضوع إذن في أدلة الشرع، ولذلك فإن العالم الذي يبحث عن أحكام الشرع في أدلة الشرع يغير فتواه بحسب هذه الأدلة، لأنه ضالع في فهم الأدلة وليس موجدا لها.

أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو ليس عالماً يبحث ويطلع ليستجد لديه ما كان يفقده من رأي أو نص أو خبرة، بل هو رسول يوحى إليه من الله تعالى، أي أن الشرع يأتيه من الله تعالى وفق ما اقتضته مشيئة الله.

ومسألة ما يظهر من تعارض بين الأدلة مسألة أصولية، مفادها أن يقتضي أحد الدليلين حكماً في واقعة خلاف ما يقتضيه الدليل الآخر فيها، أو تنافي الدليلين على وجه التناقض والتضاد، والقاعدة في هذه المسألة هي إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، وتدخل هنا مسألة الترجيح بين الأدلة لضعف أو قوة، ولتقدم أو تأخر، ولقول أو فعل حسب ما سار عليه الأصوليون.

فقوله عليه السلام مثلا (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجراً) [رواه الحاكم عن أنس] هو وحي نزل إليه من الله تعالى بزيارة القبور بعد النهي عنها، وليس تجدد علم نتيجة بحث واطلاع كما هو عند العالم.

ولو قلنا جدلاً أن العلم يتجدد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن تجدده وحي على وحي فهو تجدد تشريع على تشريع سابق، أما تجدد العلم عند العالم فليس كذلك لأن العالم لا يوحى إليه، ولذلك لا يجوز بحال إنزاله منزلة الرسول عليه الصلاة والسلام ولا يصح البتة أن يقاس برسول الله عليه الصلاة والسلام.

وكذلك لو قلنا باجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام وهو رأي مشهور عند علمائنا الكرام، فإنه ليس كاجتهاد البشر لأنه في النهاية وحي من الله تعالى، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى ولا يخالف أمر ربه جل وعلا، وهو بذلك يبين حكم الله تعالى، وإذا جاءه من الله ما يوجهه لأمر فإنه يبينه ويبين أنه من الله تعالى، وهذا ما يختلف فيه عن العالم غير المعصوم، قال الشاطبي في الموافقات: (فَإِنَّ الْحَدِيثَ إِمَّا وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ صِرْفٌ، وَإِمَّا اجْتِهَادٌ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ مُعْتَبَرٌ بِوَحْيٍ صَحِيحٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَعَلَى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا يُمْكِنُ فِيهِ التَّنَاقُضُ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ؛ لأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى، وَإِذَا فُرِّعَ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْخَطَأِ فِي حَقِّهِ؛ فَلا يُقَرُّ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ؛ فَلا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الصَّوَابِ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَفْيِ الْخَطَأِ أَوْلَى أَنْ لا يَحْكُمَ بِاجْتِهَادِهِ حُكْمًا يُعَارِضُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَيُخَالِفُهُ) . ولذلك لا يصح لعالم أن يقول: أنا أجتهد مثلما يجتهد النبي عليه الصلاة والسلام، فلا بد من ملاحظة الفرق.

خطورة هذا الكلام وهو إنزال العالم منزلة الرسول عليه الصلاة والسلام وجعل الوحي كتجدد العلم، أنه يفتح الباب للتغيير في أحكام الشرع.

أما القصد من اللفظ الذي ذكرناه في المقدمة فهو يفيدنا في السؤال التالي: لماذا يذكر الرسول عليه السلام للاستشهاد به على تغيير العالم لآرائه، ما لم يكن القصد من هذا الذكر كما هو واضح إضفاء شرعية معينة على العلماء وبخاصة بعض علماء هذا الزمان ليأتي العالم ويقول: الحكم في المسألة كذا لأن العلم تجدد فيها كما كان يتجدد عند الرسول عليه السلام.

ثم إن الاستدلال بقوله تعالى (وقل رب زدني علما) استدلال مبتور، لأن هذا النص جزء من آية وليس كل الآية، أما الآية كاملة فهي قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً) [طه: 114] ولا بد من ملاحظة الفرق بين التجدد والزيادة في العلم.

وبالنسبة للآية الكريمة فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعالج من الوحي شدّة، فكان مما يحرّك لسانه، فأنزل الله هذه الآية يعني: أنه عليه السلام، كان إذا جاءه جبريل بالوحي فكلما قال آية قالها معه، من شدّة حرصه على حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه؛ لئلا يشق عليه. فقال: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) أي: أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئًا، (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) وقال في هذه الآية: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) أي: بل أنصت، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده، (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) أي: زدني منك علمًا. [تفسير ابن كثير وغيره] .

وقال ابن عُيَيْنَة رحمه الله: ولم يزل صلى الله عليه وسلم في زيادة من العلم حتى توفاه الله عز وجل.

فما علاقة زيادة العلم بتجدده؟

أليس في الاستدلال بهذه الآية تلبيس على المسلمين، إذ أن هناك فرقا بين التجدد والزيادة في العلم، فالتجدد يلغي القديم، أما الزيادة في العلم فلا يلغي ما قبله من العلم، بل هو في ازدياد، أي علم على علم على علم.

علينا أن نفهم الكلام حسب ما يراد منه.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل.

للاستماع إلى الكلمة كاملة على الرابط أدناه:

https://www.youtube.com/watch?v=KE7QbrDV9ZM&t=341s

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.