التجديد في الدين

رداً على تساؤل أخينا طارق حفظه الله تعالى، حول حديث تجديد الدين ونص الحديث:

(‏إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) [أبو داود والطبراني والحاكم وغيرهم] وقبل الدخول في معنى الحديث عند سادتنا العلماء، أود أن أشير إلى نقطة مهمة وهي ما تمثله الآية الكريمة وغيرها من الأدلة الشرعية:

قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا) [المائدة: من 3] وقال جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء: 59] وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس فيه فهو ردٌ) [البخاري ومسلم وأبو داود] ولا يجادل عاقل في أن الإسلام كامل ليس فيه نقص، وأنه لن يأتي من يضيف فيه ما ليس منه أو ينزع عنه ما هو فيه وذلك لاكتمال الرسالة واختتام النبوة بسيدنا محمد عليه وآله أفضل الصلاة والسلام.

ولذلك فإن الحديث موضوع الكلمة يجب أن يفهم وفق هذا الفهم، وهو أن تجديد الدين ليس تغييراً فيه ولا إضافة ولا إنقاصاً.

قال ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: (لا يلزم أن يكون في رأس كل مئة سنة واحد فقط بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة وهو متجهٌ، فإن اجتماع الصفات المحتاجة إلى تجديدها لا ينحصر في نوعٍ من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخصٍ واحدٍ، إلا أن يُدعى ذلك في عمر بن عبد العزيز فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير، وتقدمه فيها؛ ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعي وإن كان متصفاً بالصفات الجميلة إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد، والحكم بالعدل، فعلى هذا كل من كان مُتصفاً بشيءٍ من ذلك عند رأس المئة هو المراد سواء تعدد أم لا) .

وقال ابن كثير رحمه الله: (وقد ادعى كل قومٍ في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر والله أعلم أنه يعمُّ حملةَ العلمِ من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء ونحاة ولغويين إلى غير ذلك من الأصناف) [كشف الخفاء للعجلوني] .

أما ابن الأثير فقد حزّ المفصل فيما ذكره في جامع الأصول إذ قال: (قد تكلَّم العلماءُ في تأويل هذا الحديث، كُلُّ واحد في زمانه، وأشاروا إلى القائم الذي يجدِّد للناس دينَهم على رأس كلِّ مائةِ سنةٍ، وكأنَّ كل قائل قد مال إلى مذهبه وحمل تأويل الحديث عليه، والأولى أن يحمل الحديث على العموم، فإن قوله صلى الله عليه وسلم (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنةٍ من يُجدِّد لها دِينَها) لا يلزم منه أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلاً واحداً، وإنما قد يكون واحداً، وقد يكون أكثر منه فإن لفظة «مَنْ» تقع على الواحد والجمع، وكذلك لا يلزم منه أن يكون أراد بالمبعوث: الفقهاء خاصة، كما ذهب إليه بعض العلماء، فإن انتفاع الأمة بالفقهاء، وإن كان نفعاً عامَّاً في أمور الدين، فإن انتفاعهم بغيرهم أيضاً كثير مثل أولي الأمر، وأصحاب الحديث والقُرَّاء والوعَّاظ، وأصحاب الطبقات من الزّهاد، فإن كل قوم ينفعون بفنّ لا ينفع به الآخر، إذ الأصل في حِفْظِ الدِّين حفظُ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء ويتمكَّن من إقامة قوانين الشرع، وهذا وظيفة أُولي الأمر، وكذلك أصحاب الحديث: ينفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلّة الشرع، والقُرَّاء ينفعون بحفظ القراءات وضبط الروايات، والزُّهاد ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا، فكل واحد ينفع بغير ما ينفع به الآخر، لكن الذي ينبغي أن يكون المبعوث على رأس المائة: رجلاً مشهوراً معروفاً، مشاراً إليه في كل فن من هذه الفنون، فإذا حُمِلَ تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى، وأبعدَ من التهمة، وأشبه بالحكمة، فإن اختلاف الأئمة رحمة، وتقرير أقوال المجتهدين متعيِّن، فإذا ذهبنا إلى تخصيص القول على أحد المذاهب، وأوّلنا الحديث عليه، بقيت المذاهب الأخرى خارجةً عن احتمال الحديث لها، وكان ذلك طعناً فيها) .

ولذا فإن التجديد لا يخرج عن إرجاع الأمة لما ضيعته من دينها سواء في الحكم والسياسة أو في العبادات أو في الاستدلال أو غير ذلك كما ذكره الجزري وغيره.

أما استنباط أحكام جديدة لوقائع جديدة لم تكن موجودة من قبل فإنه ليس إضافة للدين، وإنما هو أكبر دليل على ما قدمناه:

ذلك أن مجرد الاستدلال بأدلة الشرع على حكم واقع جديد يدل على أن حكم هذا الواقع موجود في أدلة الشرع التي أنزلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام، رغم عدم وجود الواقع المتعلقة به. وهذا من إعجاز هذا الدين وعجائب قدرة من أنزله جل وعلا، ذلك أن الإسلام كالكنز وأدلة الشرع فيه كالجواهر المكنونة في هذا الكنز، ولكنها لا تخرج هكذا دون الحاجة إليها، إذ بمجرد وجود الحاجة إليها ووجود الآلة التي تستطيع إخراجها من هذا الكنز فإنها تخرج إلى الواقع، وهذا ما يفسر لنا عدم استنباط المسلمين السابقين لأحكام ليس لها واقع، فهم لم يستنبطوا أحكام الإنترنت ووقف المواقع الإلكترونية، وبطاقات الدفع، والاستنساخ، وأطفال الأنابيب والتبرع بالأعضاء وغيرها، ولم يكن هذا نقصاً في علمهم أو قلة في أدواتهم ولكن لأن الواقع لم يحصل فلم تحصل الحاجة إليه فلم يرد على الذهن فانتفى الدافع لإيجاد حكمه، مع أن حكمه موجود في الشرع. ولذلك أطلقوا رحمهم الله تعالى على الفقه تعريفاً دقيقاً جميلاً: (علم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية) ولاحظ كلمة العملية وليس الخيالية.

ولذلك فإن كل حكم شرعي لواقعة جديدة قد أخذ من الأدلة الشرعية وكونه قد أخذ من الأدلة الشرعية فهذا أكبر دليل كما ذكرنا على أنه لم يضف جديداً فلم يكمل نقصاً ولم يسد عجزاً ولم يصحح خطأ.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل.

للاستماع إلى الكلمة كاملة على الرابط أدناه:

https://youtu.be/L773PXc0sho

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

بسم الله الرحمن الرحيم
ماشاء الله تبارك الله . كلام طيب وادله طيبه . وجزاك الله كل الخير .

تعليق علي عبدالله بتاريخ 31 يوليو، 2016

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.