أنت صاحب المعيار

قيل قديماً: (دخل علينا بثيابه وخرج بعقله) فالمرء يحكم على من يراه بشكل طبيعي من خلال ما يراه فيه من ملبس وهيئة وضخامة جسم أو ضآلته، وهذه كلها لها تأثير على الرائي، فقد تزدري شخصاً لضعف بنيته أو لشكله وأنت لا تعرف أنه من عظام الناس، وقد تعظم آخر لشكله وهندامه ولكنه إذا تكلم احتقرته لسوء أدبه أو لظلمه أو لفساد أخلاقه، وكثيراً ما يدخل عليك من يلبس أحسن الثياب وله من الهيئة ما يبهر الناظر ويسحر الألباب، ثم يجلس ويبدأ الكلام فتعرفه حق المعرفة ما إن كان عالماً أو جاهلاً، مؤدباً أو غير مؤدب، ولعوام الناس بعض العذر في التأثر بالمظهر من أول وهلة، لأن هذا هو الطبيعي عندهم، ومع هذا فلا بد من تنبيههم إلى أن العقل هو الذي يزين الثياب وليس العكس، فالحكم الابتدائي على الشخص من خلال هيئته وملبسه شيئ والحكم النهائي عليه من خلال أفكاره شيئ آخر.

والناس كلما انحط بهم التفكير وكلما فقدوا معايير الأفكار فإنهم يُجذبون إلى الأشكال والهيئات فيُخدعون بها، كما يُخدع الذي يدخل المعبد الوثني بالبناء والطقوس والترانيم والتماثيل فيحيا لحظات روحانية تضفي على قناعاته تركيزاً ورسوخاً وما هو إلا وهم الهيئة.

قل لي ما هي أفكارك أقل لك من أنت.

والذي يجعل الإنسان يحسن الحكم على الأشخاص ليس ما يحملونه من أفكار أو ما ينتج عنها من سلوك أو ما تشكله عنده من قناعات، بل ما يحمله هو من معايير يحكم من خلالها على الأفكار ونتائجها فيعرف صحيحها من سقيمها وبالتالي يحسن الحكم على من يعتنقها. أو على الأقل يأخذها أو لا يأخذها، أما إذا فقد المعيار ولم يكن عنده ما يفرق به بين الفكر الصحيح والفكر الفاسد فإن حكمه على من يتكلم سيكون من منطلق حديث المتكلم إن أعجب بمنطقه أو لامس مصلحة عنده قَبِله، وإلا فلا. وهذا هو السقوط.

وهكذا فالمعيار يحميه من أن يتأثر بمنطق المتكلم أو بهيئته أو بملامسة ما يقوله للواقع، بل يرفضه وهو مطمئن النفس لأن معياره ثابت لا شك فيه. ولا يبقى حينئذ إلا أن يثبت على معياره ويواجه الواقع وضغوطه.

ولا يقال أن المستمع اقتنع بما عند المتكلم فأخذه، وبهذا فرض المتكلم القناعة عند الآخرين بما عنده، لا يقال ذلك لأن القناعة لم تحصل بهذه الصورة (مهما أرادوا أن يجعلوها كذلك) وإنما تحققت عند المستمع لأن ما عند المتكلم لامس معيار المستمع فقبله وأخذه، لا بد من الانتباه لهذه النقطة بشكل خاص، وحتى تتضح الصورة: لو حاول أحدهم أن يقنعك بكل ما أوتي من قوة لسانية ومنطق عقلاني لتأكل لحم خنزير فهل ستأكله؟ بالطبع لا، لأن معيارك يقول لك إنه حرام، وهذا بخلاف ما لو لم يكن عندك معيار أصلاً وحينها ستأكل هذا اللحم إن اقتنعت بكلام مروجه.

والمسلم مهما كان سلوكه ومهما انتمى إلى الواقع وتأثر به، فإنه يدرك في داخله أنه على الحق (على الأقل من ناحية ريادة الأفكار وتميزها) إلا أن إدراكه هذا قد لا يدفعه في كثير من الأحيان إلى جعل معياره حكماً على الأفكار وبالتالي على الأشخاص، فتراه يبهر بغيره ويتبع أفكار غيره ويصرح بآراء غيره وكل هذا ليس بسبب قناعاته أو توافق هذا كله مع معياره ولكن بسبب ضعف قدرته على جعل معياره ميزاناً لكل شيء.

ولو اعتمد كل مسلم على معياره كمسلم في الحكم على الأفكار ونتائجها وبالتالي على الأشخاص وسلوكهم، وعاملها بقدرها في نفسه لكان المسلمون في ألف خير ولنظروا إلى العالم نظرة إشفاق ورحمة لا نظرة انبهار وتبعية.

جاء في جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البرّ رحمه الله: (وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِّ وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسْتَغْنَى عَنِ الإسْنَادِ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ: يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ، إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا لِلْخَيْرِ، وَالنَّاسُ ثَلاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيُّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رِعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَا هُنَا لَعِلْمًا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ، لَوْ أَصَبْتَ لَهُ حَمَلَةً، بَلَى لَقَدْ أَصَبْتَ لَقِنًا غَيْرَ مَأْمُونٍ يَسْتَعْمِلُ الدُّنْيَا لِلدِّينِ وَيَسْتَظْهِرُ بِحُجَجِ الله تَعَالَى عَلَى كِتَابِهِ وَبِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ، أُفٍّ لِحَامِلِ حَقٍّ لا بَصِيرَةَ لَهُ يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، لا يَدْرِي أَيْنَ الْحَقُّ؟ إِنْ قَالَ أَخْطَأَ وَإِنْ أَخْطَأَ لَمْ يَدْرِ، مَشْغُوفٌ بِمَا لا يَدْرِي حَقِيقَتَهُ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ فُتِنَ بِهِ وَإِنَّ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَنْ عَرَّفَهُ الله دِينَهُ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَنْ لا يَعْرِفَ دِينَهُ) .

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

للاستماع إلى الكلمة كاملة، على الرابط أدناه:

https://www.youtube.com/watch?v=Zyngvwadlqs

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.