تاريخنا

تاريخ أي أمة جزء من حياتها، يكسبها الخبرة، ويعطيها الدروس لمستقبلها. ولا يمكن لأي أمة من الأمم أن تنسف تاريخها وراءها، دون أن يؤثر فيها إن بالسلب أو بالإيجاب.

بل إن من الأمم من تختلق لنفسها تاريخاً لمجرد أن يكون عندها تاريخ تدرسه لأبنائها جيلاً بعد جيل.

والأمة الإسلامية من أندر الأمم التي تملك تاريخاً عريقاً يضرب في جذور نشأتها، حتى صار علماً قائماً بذاته، فيه كل التفاصيل، وكأنه يرسم صوراً دقيقة من حياة عاشتها الأمة بكل أشكالها.

وأهم ما يميز التاريخ عند المسلمين هو طريقة وصوله إلينا، وهي طريقة السند، فلا تجد رواية في التاريخ إلا وسندها يسبقها، فلا أساطير ولا خرافات ولا حكايات. وصدق من قال: (الإسناد خصيصة هذه الأمة، وسنة من السنن البالغة، وطلب العلو فيه سنة أيضاً ولذلك استحبت فيه الرحلة) [الطِّيبي في خلاصته] صحيح أن أصل السند كان من أجل رواية حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أنه انسحب على التاريخ أيضاً فصار يروى بالسند كما هي السنة.

واهتمام المسلمين بالسند اهتمام قديم، لم يوجده التدوين ولا روايات المحدثين، بل هو موجود بوجود الإسلام.

ذلك أن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أصل السند في الرواية، رواية الحديث والخبر وغيره، فقال عليه الصلاة والسلام: (تسمعون، ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم) [أبو داود والبزار] وقال: (نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه) [المنذري] .

ولا يقال أن هذا خاص تالحديث عن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، فلا ينطبق على رواية التاريخ والأخبار، لا يقال ذلك لأن الإسلام نهانا عن الكذب مطلقاً، وعن تشويه الآخرين مسلمين كانوا أو غير مسلمين، قال عليه الصلاة والسلام: (كفى بالمرءِ كذبًا أن يُحَدِّثَ بكلِّ ما سمِع) [مسلم] وقال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) [أبو داود] .

وكان الصحابة الكرام يتثبتون في رواية الحديث وفي قبوله، فمنهم من كان يطلب شاهداً ومنهم من كان يطلب يميناً.

كما أن الإسلام قد نهى عن بث الإشاعات في المجتمع، قال تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) [النساء : 83] .

ولذلك فإن الإسلام علمنا التثبت في كل ما نحدث به الآخرين، والتثبت في الرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم.

وتحت طغيان وسائل الاتصال الإلكترونية كالإنترنت والأجهزة النقالة وغيرها من البرامج الحوارية وبرامج المعلومات، ضعف إلى حد كبير الرجوع إلى المصادر للتثبت مما يروى أو يقال أو يسمع من الآخرين، وصار مجرد ذكر حادثة من التاريخ دليلاً على صحتها، وعلى صحة الاستدلال بها، وبالتالي الحكم على الواقع بناء عليها، فينسف أحدهم تاريخاً لشخص أو لدولة أو لمجتمع لمجرد أنه قرأ في كتاب قصصي أو كتاب تاريخ من الكتب الحديثة التي لا تعتمد الرواية ولا تأبه بالسند، ما يشوه هذا الشخص أو تلك الدولة أو ذلك المجتمع.

وتاريخ المسلمين على وجه خاص ارتبط بدينهم من ناحيتين:

الأولى: تاريخ الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام لما فيه من روايات تهم المسلم في دينه، لأنهم هم الذين نقلوا لنا الدين عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وهم الذين طبقوه وأحسنوا تطبيقه، فضلاً عن إجماعهم الذي يعتد به العلماء.

الثانية: تاريخ المسلمين بشكل عام، وهذا لا يهمنا كثيراً من حيث التشريع كتاريخ الصحابة، وإنما يهمنا من ناحية الكيفية التي طبق بها المسلمون الإسلام، بسلبياتها وإيجابياتها، فندرس هذا التاريخ لنستفيد من الخطأ ونسترشد بالصواب.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

للاستماع إلى الكلمة كاملة، على الرابط أدناه:

https://www.youtube.com/watch?v=7j1Dzcqb3-k&t=3s

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.