اختلاف الآراء وتوافقها

من الطبيعي أن يحصل الاختلاف باختلاف الأفهام، بل إن دائرة الاختلاف في الإسلام واسعة جداً، فلا تكاد تجد رأياً في مسألة إلا وله ما يخالفه من الآراء الأخرى في نفس المسألة بل وفي نفس المذهب، وهذا أمر طبيعي ليس بمذموم.

ولذلك فقول العلماء (رأينا صواب قابل للخطأ ورأي غيرنا خطأ قابل للصواب) يعني أن ما توصلتُ إليه من رأي، أرى أنه صواب بناء على غلبة ظني، وما توصل إليه غيري مما يخالف رأيي أراه خطأ بناء على غلبة ظني كذلك، ولكن من الممكن أن يكون رأيه صواباً وأن يكون رأيي خطأ.

وهذا يدعو صاحب الرأي إلى عدة التزامات:

الأول: ألا يضفي على رأيه قداسة وكأنه لا رأي إلا رأيه.

الثاني: أن يهيأ نفسه لقبول الرأي الآخر فقد يجد فيه الصواب الذي يخالف رأيه.

الثالث: ألا يفرض رأيه على الآخرين أو يدعو إليه.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن تقبل الرأي الآخر (في جميع الآراء) ضروري جداً، مهما خالف رأيك، ما دام مسوغ الاختلاف قائماً عندك وعند من يخالفك، ولا يصح بحال أن تفرض رأيك على الآخر أو الآخرين مهما اقتنعت بصحته، ولا أن تستغل كل ما من شأنه أن يساعدك على فرضه، كالصراخ والغضب واستغلال الصلاحيات ككبر السن أو المسئولية أو المنصب العلمي أو غير ذلك.

وآفة الحوار أن يستمع طرف لآخر لا ليفهم رأيه ولكن لينتظر انتهاءه من الكلام ليجابهه برأيه هو، وأقول آفة لأنها تعمي الذهن عن الاستماع إلى الرأي الآخر وتقبله والتفكير فيه ما إن كان صحيحاً فيؤخذ أو غير صحيح فيرد عليه بالرأي الأصلي.

إننا بحاجة لأن نحسن تلقي الرأي الآخر لنتدبره ونفهمه، ونرد عليه وفق خلفية تقبل الرأي الآخر، وحينها يكون النقاش بحق لقاحاً للفكر، يبلور الآراء ويظهر صحيحها من سقيمها.

ولا يكون فهم أي فكرة كاملاً واضحاً إلا بالنقاش، ففكرة أن الإنسان مكون من مادة وروح مثلاً، تتداخل فيها عدة أمور، ولذا فإن أتي بهذه الفكرة وطرحت كل الآراء حولها الصحيحة منها والخاطئة وحصل النقاش الفكري فيها وحولها فإن ذلك يؤدي بكل سهولة إلى إدراك خطأ هذه الفكرة والتوصل إلى الفكرة الصحيحة. بل إن من الآراء الخاطئة ما يكون له دور في إظهار الآراء الصحيحة، لأن معرفة الخطأ تؤدي إلى معرفة الصواب في كثير من الأحيان.

ولذلك فإن النقاش والاختلاف في الآراء ظاهرة صحية وليست مرضية، ولهما نتائج باهرة، ولا ينتج منهما أي خطر إلا إذا لم تستقم النفسيات وهذا بحث آخر ولعله من أهم الأبحاث.

أما النفسيات فلا بد أن تكون مهيأة لقبول الحق والنزول عليه، وإدراك ما يجب أن يتصف به المتحاورون من تقوى الله والبحث عن الحق وعدم احتقار الخصم، والصبر عليه، وعدم إعجاب صاحب الرأي برأيه، والرضوخ للحق أياً كان مصدره وغير ذلك مما يجدر الاهتمام به ودراسته؛ كل ذلك من مقومات تهيئة النفسيات.

لذا فإن من أخطر ما يفسد المناقشة والتحاور هو عدم وجود النفسية المروضة بأحكام الإسلام وأخلاقه، فيضيع الرأي الصائب بين الآراء الخاطئة.

ومن أخطر ما يؤثر على عدم تقبل الرأي الآخر، وجود صورة مسبقة عن صاحب الرأي الآخر أو سوء الظن به كأن يُظن به أنه لا يريد الحق، أو أنه يجادل لمجرد الجدال، أو أنه ينوي من طرح رأيه سوءاً وهكذا.

ومن المعالجات التي تساعد في توافق الآراء، وإزالة كل أثر سيء للاختلاف بين المسلمين دوام الاطلاع على الثقافة الإسلامية بشكل عام، ودوام الالتقاء للمناقشة والحوار سواء أكان الالتقاء ثنائياً أم جماعياً، ولذلك تجد المترافقين عادة أو الذين بينهم نوع من الصداقة أو كثرة الالتقاء ببعضهم متقاربين جداً في آرائهم لأنه من الطبيعي أن يتناقشوا فيما بينهم ولأن الفكر لا يطيق أن يبقى حبيساً كما نقول دائماً.

والرفقاء يتأثرون ببعضهم وهذا أمر طبيعي لوجود الثقة المتبادلة بينهم، فلو انشغل أحدهم بموضوع معين أخذ جهده وتفكيره فإنه لا يملك أن يكتمه بل يطرحه على من حوله، إما مستفسراً أو سائلاً عن كتاب يتناول الموضوع أو يبحث عن رأي فيه، وهنا يبادر من حوله من باب مساعدته إلى إظهار ما عندهم، فهذا يعطيه رأياً وذاك يعطيه كتاباً وهكذا. هنا يحصل على بغيته، وينتهي الموضوع، ولكن مع ملاحظة أن الآخرين ممن هم حوله قد صارت عندهم فكرة عن الموضوع وقد يكوّن كل منهم رأياً عنه وهذا أمر إيجابي.

ولا بد من ملاحظة أن هذا التوافق في الآراء حول المسألة الواحدة أو الموضوع الواحد، أمر طبيعي وليس شاذاً أو مؤذياً، يحكمه مدى تقارب الرفقاء مع بعضهم واتصالهم بالأحداث أكثر من غيرهم، ولا يصح أن يعطى أكبر من حجمه هذا.

إننا كمسلمين بأشد الحاجة للاستماع إلى بعضنا، وإلى التنازل لبعضنا، وإلى قبول الرأي الآخر، بعيداً كل البعد عن سوء الظن والتصورات المسبقة وتصيد الأخطاء فإن هذه ليست من شمائلنا، وما هذه الكلمة إلا تذكير بما يجب أن نكون عليه أكثر من كونها وصفاً لما كان، فلنتوافق في آرائنا فنقبل الرأي الآخر بكل رحابة صدر وبكل حلم وسرور.

ونصيحة لكل مسلم وجد في نفسه شيئاً على أخيه لرأي ذكره أو ذهب إليه، أن يدعو له بظهر الغيب أولاً، ثم يبادر إليه بكل أخوة ومحبة ومودة يناقشه في رأيه فقد يكون رأيه صواباً، وقد تكون المشكلة فيه هو أنه لم يحسن فهم رأي أخيه، فإن لم يُجدِ ذلك فإني أنصحه بألا يناقشه حتى تصفو نفسه.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

للاستماع إلى الكلمة على الرابط أدناه:

https://www.youtube.com/watch?v=odnOBIE30cA&t=1s

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.