بين قبول الرأي وعدم احترامه

استكمالاً للكلمة السابقة (اختلاف الآراء وتوافقها) فإن الخلاف في الآراء يكون فيما يُسوّغ فيه، وليس فيما لا يجوز فيه الاختلاف أصلاً وذلك كالآراء التي تهدم الأصول والثوابت.

ففي الدين مثلاً لا يكون الاختلاف فيما هو قطعي الدلالة من الأدلة والتي لا ظنية لأحكامها وكل ما يخالفها من الآراء فهو مرفوض، ولا يصلح النقاش فيها ابتداء، وذلك كأركان الإسلام والإيمان بما أمرنا الله أن نؤمن به، وكون القرآن والسنة من عند الله تعالى، وإقامة حكم الإسلام والحدود، والمحرمات التي لا اختلاف فيها، كل هذه لا يصح فيها الاختلاف ولا تدخل في دائرة قبول الرأي الآخر بل تدخل في دائرة النقاش لإقناع صاحب الرأي المخالف ليس إلا.

ومثل هذا كل الثوابت العلمية التي يعرفها المتخصصون، فعند الأطباء مثلاً لا يتجرأ من يدعي رأياً لا قيمة علمية له أن يطرح رأيه، وإن تجرأ برأي له تأثير في العلاج وغيره يوقف ويعاقب، ويمنع من إبداء رأيه لما فيه من خطورة على صحة العامة، وكذلك سائر العلوم كالهندسة والعمارة والفنون العسكرية وغيرها، هذا أمر طبيعي ويدركه الجميع، ولذلك فإننا لا نستمع لرأي الجاهل فيما يجهله، ونحرص على المتخصص لنعرف الرأي فيما نريده.

ويجدر بنا في هذا المقام أن نشير إلى جملة دارجة يقولها بعض المثقفين لبعضهم في حواراتهم (احترم رأيي لو سمحت) ويرد الآخر: (نعم، أنا أحترم رأيك، ولكن أخالفك في كذا وكذا) .

وهذه الجملة مما تعود الكثيرون على قولها، دون أدنى تفكر فيم تعني وإلام ترمي.

أحترمك كإنسان، نعم. ولكن هذا لا يعني أن ينسحب احترامي لك على احترامي لرأيك، فقد يكون رأيك غير محترم، وقد أكون محتقراً في نظر نفسي إن احترمت رأيك.

لا بد أن ننتبه لهذه النقطة جيداً ولا تحملنا فكرة قبول الرأي الآخر على قبول الآراء السخيفة أو المنحرفة أو الشاذة أو التي لا تعتبر آراء أصلاً، فليست كل الآراء تستحق الاحترام، فمنها ما هو سخيف، ومنها ما هو رديء، ومنها ما هو تافه، ومنها ما هو كفر وإلحاد.

ترسيخ فكرة احترام الرأي الآخر في المجتمعات الإنسانية ظاهرة خطيرة، وخطورتها تكمن في ارتقاء كل ما هو غثّ لتكون له الصدارة باحترام الآخرين له. لا تجعلوا من فكرة القبول سلماً ترتقيه الآراء السخيفة لتتصدر في توجيه العقول وصياغة النفوس.

ترسيخ هذه الفكرة له من التداعيات ما يصنع نوعاً من السلطان المرعب على الآخرين؛ إذ صار عليهم أن يحترموا كل الآراء ولو كانت بهيمية، خشية هذا السلطان المرعب الذي يصمهم بعدم قبول الرأي الآخر وبالتالي فهم استبداديون، لا يعتدون بالغير.

ترى الأب يحترق على ولده وهو يراه شاذاً يمارس ما تأنفه البهائم، ولكنه لا يملك أن يفعل شيئاً لأنه واقع تحت ضغط إرهاب الواقع المتمثل بقبول الرأي الآخر، فلا حرية له في إبداء رأيه، وإلا فسيظهر بمظهر المتخلف الاستبدادي الذي لا يحترم آراء الآخرين، ومن برأيكم يحمل اللافتة بالعكس إلا المتميزون؟

والأمر خلاف ذلك على الإطلاق، لأن الآراء المبنية على الكذب والافتراء، والاستهزاء، والأهواء كلها يجب أن تحارب بلا أي احترام وتقدير، بل إن أكثر هذه الآراء لا يرد عليها بالنقاش والأخذ والرد، بل بإهمالها وعدم الاكتراث لها.

واحترام مثل هذه الآراء تسخيف للحوار الفكري أو العلمي وتسفيه للمتحاورين الجادين، ومضيعة للوقت، فمن يطرح شبهة في الإسلام مثلاً يرد عليه لدحض الشبهة وإزالة ما عنده من لبس، ولكن من يطرحها مستهزءاً أو مظهراً عدم احترامه للإسلام فإن مثل هذا لا يرد عليه بالفكر، ولا يلتفت إلى شبهته، بل يرد عليه ليحترم نفسه ويحسن الطرح ليأتيه الرد.

كثير من أوقاتنا تضيع في حوارات غير مجدية، تناقش آراء لا ترقى لأن تكون مادة للنقاش.

إن الارتقاء بالفكر الإنساني يكون بالتمييز بين ما هو فكر وما هو خيال، بين ما يمكن أن يطرح ويناقش، وبين ما لا يطرح أصلاً لسخافته، بين ما يطرح ليفهم لا لينقض، وما يطرح لينقض بعد أن يفهم. بين ما يجوز الاختلاف فيه وبين ما لا يجوز، كأصول الإسلام وأدلته، وكذلك فيما يتعلق بالعلوم كالحقائق والقواعد مما يعرفها المختصون.

والوقت ضيق، والحياة قصيرة، وعلى الرغم من حرصنا على حياتنا إلا أننا نتناقض بتضييعها في الحوارات التي تفتقد الجدية، ولعلنا نفصل في حديث آخر عن هذه الأمور.

واعتبار الرأي أهلاً لمناقشته، وبالتالي لأخذه أو رده، لا يعني بالضرورة احترامه، ولو قلناها تجاوزاً فإنها تعني قبول أخذه لفهمه والرد عليه أو تبنيه، ولذلك فإن هذا الاحترام ليس تقديساً ولا قبولاً، فأي رأي يستحق أن يرد عليه برأي آخر هو داخل في دائرة القبول والاحترام في نظر مخالفه ما دامت طاولة النقاش فيه موجودة، وفكرة رفضه وتقبل الرأي الصحيح واردة، مهما كان هذا الرأي مخالفاً حتى ولو نزل في أسوأ أحواله إلى المناقضة والتضاد، أما الآراء التي ليس من نصيبها القبول فإنها تؤخذ كذلك لفهمها والرد عليها وتوجيه صاحبها لا قبولها والاحترام لمناقشتها وليس لها أو لقبولها، فلننتبه، فمن يطرح فكرة عدم وجود الخالق لا يقال أن لرأيه قبولاً فقد يؤخذ أو يرد، بل يقال إن لمناقشة رأيه قبولاً أن يناقش ليرد عليه فيهتدي صاحبه لوجود الله تعالى أما مسألة قبوله فغير واردة على الإطلاق، فلا بد من التفريق بين الحالتين.

والملحد عندما يطرح رأيه في عدم وجود الخالق ويطلب من الآخرين أن يناقشوه ويردوا عليه يستحق أن يرد عليه وأن يناقش، ولذلك فإنهم يحترمون حق مناقشة طرحه لا لأنهم قبلوه أو أخذوا به، ولكن لأنهم جعلوه في قائمة اهتمامهم فأعطوه قدر التفكير به وفهمه من أجل تناوله بالرد، وهذا هو الاحترام الذي أعنيه إن صح الاختيار.

ومن ينكر وجود الله تعالى لا يقبل منه أن يطرح رأياً في تعدد الزوجات مثلاً أو في الجهاد لأن مثل هذه الآراء لا قيمة لها ولا فائدة من مناقشتها والرد عليها وذلك لأن قناعته بها لا قيمة لها ما دام ينكر وجود الله تعالى، ولذلك لا يلتفت إلى ما يطرحه ويناقش فقط في فكرة وجود الخالق، فإن أقر بوجود الخالق انتقل معه إلى الآراء الأخرى.

ولا يقال أنه لا بأس من مناقشة هذه الآراء ولو ظل صاحبها ملحداً، لا يقال ذلك لأن هذا مضيعة للوقت، ومن يحسن التفكير لا يطلب منه أن يستخدم التفكير ليستفيد منه فحسب، بل يطلب منه أن يحسن توجيه عقول الناس لتحسن التفكير، لأن من لا يحسن التفكير يعبث.

كتبت هذه الكلمة لأنني وجدت بعض المتصدرين للناس والحاملين على أكتافهم توجيه العامة كما يدّعون، هم أكثر من يطرح الآراء السخيفة التي لا تستحق الاحترام وبالتالي لا تستحق القبول، فالرأي القائل بمنع الأسلحة الكيماوية مثلاً رأي سخيف لأنه يزرع فكرة إباحة القتل بغير الأسلحة الكيماوية وكأن القتل عنده غير مجرم إلا إن استخدمت فيه الأسلحة الكيماوية وهذه فكرة خطيرة، ولذلك فإن مثل هذا الرأي لا يحترم على الإطلاق ويكون الرد على صاحبه بأن يحسن التفكير في هذه القضية ليدرك أن قتل الإنسان محرم والنفس الإنسانية معصومة إلا ما نص الشارع عليه، سواء أكان هذا القتل بسلاح أم بغير سلاح، مع لفت النظر إلى أن هذا الرأي السخيف يحتقر الإنسان. وإن أحسن صاحبه التفكير فلن يخرج منه هذا الرأي مطلقاً. بل الرأي الذي يجب أن يطرح هو حكم القتل وحرمته الأصلية، وأنه لا يجوز أن يسفك دم حيوان أو إنسان أو حشرة إلا بنص من الدين فهذه صانها الإسلام وليست لعب أطفال.

والرأي المبني على أكاذيب وإشاعات رأي سخيف أيضاً ولا يستحق الاحترام، والرد عليه يكون بفضح تلك الأكاذيب وكشفها لا مجاراة صاحب الرأي في رأيه.

والرأي الذي يَظهر فيه الاستهزاء أو السخرية أو الإنقاص من قدر المخالف رأي سخيف أيضاً ولا يستحق الاحترام، بل يجب أن يُعلّم صاحبه احترام الآخرين.

والرأي الذي يربط اللباس الشرعي للمرأة بسلوكها، فيعتبر عدم وجود السلوك الشرعي نافياً لقيمة اللباس الشرعي رأي سخيف أيضاً لأنه لا علاقة بين الأمرين، فمن المسلمين من يلتزم ببعض أحكام الشرع ولا يلتزم بغيرها وهذا أمر طبيعي، فتجد مسلماً يصلي ويشرب الخمر، وتجد مسلمة تلبس اللباس الشرعي وتقوم بأعمال محرمة، ولذلك لا يقال لماذا يشرب هذا الخمر ويصلي؟ ولماذا تلبس هذه اللباس الشرعي وتعصي الله؟ لأن مجرد وجود تفكير يصدر عنه هذا الرأي فإن هذا يدل على سخافته. وهذا يحتاج أيضاً أن يتعلم طريقة التفكير والاستنتاج قبل أن يقول رأيه.

خطورة الآراء السخيفة التي لا تستحق الاحترام تكمن في الرد عليها واعتبارها آراء جادة تستحق الرد والمناقشة، وهي بذلك تفرض نفسها في الأجواء الفكرية وتبدأ بتوجيه العقول إلى ما ترمي إليه فتبني لها صروحاً من القبول عند الناس، ولذلك يجب أن تهدم صروحها لتحارب في مهدها وأن يقال لصاحبها: إن احترمناك فإن هذا لا يعني أننا نحترم رأيك لأن رأيك غير محترم.

لا بد أن يتعلم الناس كيف يفكرون، وكيف يصدرون آراءهم فإن هذا نصف العلاج، والنصف الآخر يكون في حسن اختيار المواضيع الجادة التي تستحق الطرح والمناقشة.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

للاستماع إلى الكلمة على الرابط أدناه:

https://youtu.be/y7lwQobBRoQ

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.