الخلود؛ نظرة أخرى

غيّر الإسلام نظرة الإنسان إلى الحياة، وجعل له وجهة نظر خاصة ومتميزة، وإذا نظر المسلم إلى كل شيء من تلك الزاوية، تغيرت رؤيته واختلف بالتالي عن باقي البشر.

قال الرشيد يوماً للفضيل بن عياض: ما أزهدك! فأجابه الفضيل: بل أنت ما أزهدك، أنت أزهد مني، لأني زهدت في الدنيا الفانية وأنت زهدت في الآخرة الباقية، ومن يزهد في درة ليس كمن يزهد في بعرة. [البداية والنهاية] نظرة مختلفة للزهد، ترتب عليها أن الرشيد هو الزاهد الحقيقي وليس الفضيل.

والفوز هو فوز الآخرة: (كلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران: 185] .

والراحة هي الاستراحة من العذاب: عن عائشة أن امرأة توفيت كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يمازحونها، فقالت عائشة: استراحت. فرد عليها الرسول: إنما يستريح من غفر له. [البزار، ورواه أبو داود في المراسيل] .

هؤلاء هم الذين تغيرت نظرتهم إلى كل شيء فصار لها ذوق خاص عندهم، وصاروا بتلك النظرة هم الخالدين! فمن هم؟

صحيح أن الخلود خلود الآخرة، فهو الخلود الحقيقي الحسي، وهو ليس معنوياً ولا نسبياً، ولكن صحيح أيضاً أن الموت نسبي في الدنيا، فمن الناس من يموت وينساه الناس، ومنهم من يبقى حياً يذكره الناس إن بالخير أو بالشر.

الموت في الإسلام هو توقف الأجساد عن الحركة، أما القصد من الحياة نفسها فهو موجود ومستمر إلى يوم القيامة ولا يتوقف.

أو ليست الحياة الدنيا مزرعة للآخرة؟ أو لسنا مأمورين أن نعبد الله تعالى في الدنيا لننال رضوانه في الآخرة؟ فالعبرة إذن من استمرار الحياة هي استمرار العمل الموصل إلى الآخرة، استمرار الثواب، حتى وإن ماتت الأجساد وبليت، فلا يصح أن يوقف الموت مسيرة العمل للآخرة.

هذا هو الخلود المستمر في الدنيا والذي لا يضره موت الإنسان ولا يوقفه.

ولو رجعنا إلى الأحكام الشرعية سنجد تفسيراً جميلاً لذلك، سنجد أن الإسلام قد شرع أحكاماً للمسلم تمد حياته (النسبية) في الدنيا بعد موته فيظل حياً يقبض من الثواب ما يزيده قرباً ومكانة في الآخرة وهو جثة هامدة لا حراك فيها، وأعني هنا أن القصد من الحياة في الدنيا هو الوصول إلى الآخرة بسلام، فالمسلم يستغل وجوده في الدنيا ليصل من خلالها إلى الآخرة سالماً من العذاب غانماً في الثواب، ولذا تجده يلتزم بأحكام الشرع، يطيع خالقه، يتورع، يزهد، ولكن هل تتوقف حياته التي جعلها لطاعة ربه بموته؟

بالطبع لا تتوقف بل إنها تستمر، ولذا فإنه عملياً يكون حياً إلى يوم القيامة ولا يموت.

أما كيف يكون ذلك فإليك البيان:

ما يقدمه في الدنيا من خير يراه في الآخرة خيراً له، قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة: 110] فالمسألة تكمن في الاستفادة من الحياة لما ينفع في الآخرة، بغض النظر عن الموت أو الحياة نفسها، إذن ما الذي يؤثر علي إن أنا مت في الدنيا وغادرتها؟ وإذا بقيت الحياة تدر لي الخير الذي ينفعني في آخرتي إلى يوم القيامة، فماذا يعني موتي؟ طبعاً أنا لا أقصد الصدقات والأعمال التي يفعلها المسلم وتحفظ له في الآخرة مع ازديادها، بل أقصد الأعمال الحقيقية التي تحصل في الدنيا وتدر على المسلم ثواباً بعد موته.

يأتي الرجل يوم القيامة وقد قدم ما عنده وحوسب، وعندما ينتهي من الحساب ويدخل الجنة يجد أن له درجة في الجنة فيسأل عنها مستغرباً فيقال له هذا باستغفار ولدك لك، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول: أنى هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك) [رواه ابن ماجه] .

ويموت المسلم ولم يوص بصدقة، ولكنه يأتي يوم القيامة فيجد صدقة له في الدنيا لم يوص بها، ولكن ولده قام بها، وتحسب له. هل تتصور ذلك؟ قال رجل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال عليه السلام: نعم. [البخاري] ، ولمسلم أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن أبي مات وترك مالاً ولم يوصِ، فهل يكفّر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم.

طبعا أضف إلى ذلك من سن سنة حسنة في الدنيا واتبعه فيها الآخرون فإنه يأخذ مثل أجورهم بعد مماته وفيها قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من سن سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيئاً) [ابن ماجه] .

ولا يقتصر الأمر على القيام بعمل، بل يتحقق في الدعوة أيضاً، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدَىً، كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَنْ تَبِعَه، لاَ يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أجُورِهمْ شَيئاً، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ، كَانَ عَلَيهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لاَ يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ) [رواه مسلم] .

فوقف الكتب وتأليفها، والإبداع في الأفكار والأساليب بما ينفع المسلمين، وحمل الدعوة بالإسلام كل ذلك من السنن الحسنة ومن الهدى وهي لا تنقطع إلى يوم القيامة.

وهناك الكثير من الأدلة الصحيحة التي تدل صراحة على أن عمل المسلم لا ينقطع إذا مات بل يستمر إلى يوم القيامة، حتى يأتي يوم القيامة فيرى أعمالاً عظيمة كتبت له ولكنه لم يفعلها.

إذن فإن معنى ما تقدم هو أن الحياة شيء نسبي.

وهذا يعني أن يقدم الإنسان في حياته ما يمدها بعد موته، ولذلك فإن الاستعداد لما بعد الموت هو استعداد في الدنيا واستعداد للآخرة.

فلتتغير نظرتنا للحياة، ولتتغير نظرتنا للموت، ولتتغير نظرتنا للخلود، ولنقدم لديننا ولأنفسنا ما يجعلنا خالدين في الدنيا قبل الآخرة.

وصدق الشاعر عندما قال:

دقات قلب المرء قائلة له ،،،، إن الحياة دقائق وثواني

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها ،،،، فالذكر للإنسان عمر ثاني

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

للاستماع إلى الكلمة على اليوتيوب

https://www.youtube.com/watch?v=fx077feq9Vk&feature=youtu.be

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.