الوهلة الأولى

حياة من نمط غريب وطبيعة مستهجنة، يصيغها الإعلام كما يشاء، يدخل العقول في معجنته فيخبزها بالشكل الذي يريد، والناس تستجيب له كاستجابة الخرفان لجزارها.

تأثر الناس عامة بالإعلام تأثر ظاهر، تغلب عليه العفوية في أكثر الأحيان، إذ عادة ما يكوّن التأثر بما يطرحه الإعلام استجابةً لمؤثراته، تضخمها المعلومات السابقة الموجودة في الذهن فيما إن كانت معلومات خاطئة أو صحيحة.

والإعلام يستغل الناحية الإخبارية في التوجيه، فهو يعطي الخبر ولكنه يوجهه ويوحي من خلاله، ولذلك تختلف الأخبار والمعلومات عن الإعلام اختلافاً كبيراً. ولم يعد للأخبار وجود في عالمنا اليوم إلا نادراً، بل صارت كلها إعلام في إعلام، فئة واحدة تتناولها القنوات والإخباريات بعدة أوصاف: وطنيون، معارضون، مجرمون، إرهابيون وهم نفس الفئة لم تتغير ولكن الذي تغير هي نظرة من يريد أن يصورهم للناس، فهذا يريد أن يعتبرهم الناس وطنيين فيصفهم بذلك وآخر على عكسه وهكذا.

والناس بشكل عام تتلقى الخبر الإعلامي المغلف بالإيحاء، وتستجيب طبيعياً لهذا الخبر وقد تردده فتحقق القصد الإيحائي منه.

عندما تسيطر أجواء الجريمة في مجتمع ما وينتشر الفساد فيصبح ظاهرة، فإن كل خبر يتعلق بجريمة أو بحالة من الفساد يفسر بشكل عفوي وفق أجواء المجتمع، فإذا كان التفكير بالخبر هنا سطحياً عند تلقيه، فإنه سرعان ما يربط الخبر المتعلق بجريمة أو بمظهر غير أخلاقي بالأجواء العامة للمجتمع، بينما الأمر غير ذلك. وهكذا يتنحى الإعلام جانباً ليتقلص دوره في ناحية وليتوسع في ناحية أخرى، لأن الناس تحولوا إلى أدوات له فحققوا له مراده بتفسيرهم الحوادث والمواقف والشخصيات حسبما يريد.

وهكذا يُستغل الإعلام كسلاح يوجه الرأي العام نحو مقاصد معينة، فهو يوجد الأرضية بالإيحاء، فتخرج النتائج من العقول وكأن العقول هي التي صنعتها بينما هي (العقول) ضحية للإيحاء الإعلامي. أوهموك بأنك مفكر ومحلل فصدقت يا مسكين.

يظهر ممثل أمام الجمهور ليقول: لو كل إنسان ترك شقته لأن العمارة فيها راقصة لبات الناس كلهم في الشارع. ويستجيب الناس لما قاله بسذاجتهم العفوية التي لا يحسدون عليها، فيقابلونه بالتصفيق الحاد موافقين عليه، فأضفوا الصدق على ما قاله مع أنه كذب وسخافة. ولو فكر واحد من المصفقين قليلاً لأدرك أنه صفق على غبائه وليس على كلام الممثل، فبلد إسلامي ذو كثافة سكانية كبيرة لا تشكل فيه الراقصات إلا نسبة ضئيلة جداً لا تتعدى 0.020 بالمائة من عدد السكان وهي نسبة مبالغ بها بالطبع وإلا فهي أقل من هذا بكثير، ولكن لأن الكلمة لامست واقعاً ملحوظاً (إعلامياً) تأثر الناس بها وسلموا فعلاً بما قاله الممثل مع أنه غير صحيح.

ما الذي ربط اسم هذا البلد أو ذاك بالرقص والراقصات وغير ذلك من مظاهر الفساد؟ إنه الإعلام. وما دام هذا كله قد ارتبط بالذهن وتأثرت به النفس فقد صار من الطبيعي أن يستجيب العقل ويصفق للأكاذيب.

وقس على ذلك كل ما يمارسه الإعلام في صنع الحكم على الواقع، وإيهام العقول بأنها فكرت وخرجت بالنتيجة في حين أنها كانت أداة عفوية له استخدمها ليحقق أغراضه.

والخطورة في ذلك كله أن يتحول الإنسان العادي إلى حافظة متنقلة تبث ما فيها من جراثيم فتاكة، فعمل الإعلام فيه أنه حوله إلى موبوء بمرض معد يتجول بين الناس ومن يأخذ منه يصاب بالوباء وهكذا إذ يصبح الجميع أدوات للإعلام المتآمر وهو منقلب على ظهره ضحكاً عليهم.

إدراك هذه الناحية الخطيرة، لا بد أن يؤدي إلى الحذر، كل الحذر عند تلقي أي خبر إعلامي، سواء أكان هذا الخبر معلومة عن واقع أم تاريخاً يقدم بشكل فني، أم غير ذلك من أدوات الإعلام الكثيرة والمتنوعة والمتناثرة في أرجاء الأرض. وأن تكون القاعدة في تلقي الإعلام هي الكذب، فهو الأصل.

والحذر يكون من عدم إعمال العقل عند تلقي الخبر، ويكون من الحكم عليه من الوهلة الأولى دون التعمق في دراسة الواقع، والتثبت من المعلومات المتعلقة به ثم الربط الصحيح وفق قاعدة ثابتة تضمن للعقل عدم الانحراف في الحكم على الواقع.

والحذر من الفرَض بأن كل ما يقدمه الإعلام صادق وصحيح، بل الأصل في ظل وجود التآمر والذي نراه في كل زاوية وفي كل ناحية، أن يفترض العكس حتى يثبت نقيضه.

وقد جاء في الحديث: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) [البزار والدارقطني] وقديماً قال الشاعر:

وهمْ نَقَلُوا عَنّي الذي لمْ أفُهْ بهِ ………. وَمَا آفَةُ الأخْبَارِ إلاّ رُوَاتُهَا

إن الله أكرمنا بالعقل لنحسن التلقي وأكرمنا بالإسلام لنعرف كيف نتلقى وماذا نتلقى، فالإسلام ضبط للعقل طريقه إلى الصواب وضمن له ألا ينحرف، فلو أحسنا استخدام عقولنا لأدركنا الكثير من الحقائق، ولتكوّن عندنا الوعي على الكثير من المؤامرات، ولعرفنا متى نصفق ونؤيد ومتى نرفض ونستهجن.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.