ذوو الإحساس المرهف

قدرتنا على فهم الآخرين تعطينا الفرصة لنعينهم في حياتهم، نحلّ مشاكلهم، نحسن التعامل معهم، ولا توجد هذه القدرة إلا عند من أحسن فهم واقع كل شخص على حدة، مع معرفة طريقته في التعامل مع الواقع، وكذلك من الخبرة في الحياة التي توجدها المعارف، والتجارب، وفوق هذا كلّه المنهج الثابت الذي على أساسه يفهم الواقع ويحكم عليه.

يأتيك شخص ليستشيرك في أمر سيقدم عليه، أو مشكلة وقع فيها، وأنت تجاه هذا الشخص بين أمرين:

الأول: من يقدم المشورة وكأنّه هو من سيقوم بالأمر، أو يحلّ المشكلة وكأنه هو الواقع فيها.

والثاني: من ينظر إلى واقع السائل أو المستشير فيعطيه الرأي في الأمر حسب ما يعرف عنه، تصوّره، قدراته، طريقة تعامله مع الواقع، يضع هذا كلّه في حسابه قبل أن يجيب سائله، وبالتالي فإنه يقدم له حلاً أو مشورة تناسب وضع السائل وليس وضع المسئول. وهذا من ذوي الإحساس المرهف الذين يتركون أثرهم أينما حلّوا.

سمعت حكاية قديمة فيها حكمة جميلة، وهي أن رجلاً اغترب من أجل جمع المال، فذهب إلى مدينة وعاش فيها حتى قضى فيها عدة سنوات تربو عن عشرة سنين، ولما جمع من المال ما يكفيه قرر الرجوع إلى أهله، وبينما هو يتبضّع في السوق لشراء الهدايا لزوجته التي تركها وحيدة، وإذا برجل كبير في السنّ يجلس على الأرض وتأتي الناس فتجلس إليه وتتحدث معه ثم تعطيه مالاً وتتركه، فسأل صاحبنا عن هذا الرجل فقالوا له: هذا رجل كبير يبيع الحِكم للناس. فقال: كيف يبيع الحكم؟ وهل الحكمة تباع وتشترى؟ فقيل له: نعم، إنه يجلس معك ويتحدّث معك وعلى ضوء معرفته بشخصيتك يعطيك حكمة تناسبك، فتشتري منه الحكمة وتعطيه ما تجود به نفسك من المال.

فقال الرجل في نفسه: إن عندي مالاً كثيراً، فلم لا أذهب إلى بائع الحكم هذا وأشتري منه حكمة ربما تنفعني في حياتي.

وبالفعل ذهب إليه وجلس عنده وقال له: أريد أن أشتري منك حكمة. فقال له الشيخ: حدثني عن نفسك. فحدثه الرجل عن نفسه وأنه ترك زوجته عند عشيرته، وجاء يبحث عن الرزق وقد غاب عن أهله عدة سنوات تربو عن عشرة سنين، فقال له الشيخ العجوز بعد أن عرف واقعه وجوانب من شخصيته: حكمتي لك أنك إذا قررت أمراً معيناً فلا تفعله في اللحظة، ولكن انتظر يوماً كاملاً ثم افعله كما قررته، مهما كان هذا الأمر. فشكره الرجل على حكمته وأعطاه من المال ما يستحقه ثم غادر إلى أهله.

عاد الرجل إلى أهله بعد هذه الغيبة الطويلة، مشتاقاً لزوجته وعشيرته، ووصل إلى مكان جماعته في الليل، والناس نائمون، ولما دخل على أهل بيته، والبيوت لم تكن كبيوت اليوم، رأى زوجته نائمة وهي تحتضن شاباً في الفراش معها، فتعجب من المنظر وعلى الفور أخرج سلاحاً من جيبه يريد قتل زوجته ومن معها، وعندها تذكر حكمة الشيخ العجوز (إذا قررت أمراً فلا تفعله إلا بعد مرور يوم كامل) فقال في نفسه: أنفذ حكمة العجوز وأنتظر إلى الغد وأقتلهما معاً.

وذهب بعيداً عن العشيرة وانتظر حتى اليوم الثاني، ثم أخفى سلاحه ودخل على جماعته وإذا بزوجته تقف عند باب بيته، فلما رأته صرخت: يا فلان، تعال بسرعة لقد أتى أبوك. وفجأة نظر فإذا بشريك الفراش، ولد جميل تجاوز عمره العاشرة قد أقبل إليه يعانقه ويقبله، فسلم على ولده وزوجته ثم قال لها: لماذا لم تخبريني أنك كنت حاملاً قبل أن أسافر؟ فردت عليه: لم أكتشف حملي إلا بعد أن سافرت، وهذا ولدك الذي ربيته ونحن ننتظر عودتك. فتأسف الرجل بينه وبين نفسه، كيف لو أنه استعجل وقتلهما معاً فيكون قد قتل زوجته وولده من حيث لا يدري. وحمد الله تعالى على التقائه بذاك الشيخ الذي أعطاه حكمة تناسبه، فلما التزم بها نجا من مهلكة كادت تودي بحياته التي قضاها يجمع المال فيها من أجل عائلته.

حكمة جميلة، يستفاد منها الكثير وأعظم فائدة منها هي القدرة على التعامل مع الآخرين بما ينفعهم وفق إحساس دقيق بواقعهم.

هب أنك تاجر متمرس في السوق، وأتاك صديق يستشيرك في أن يكون تاجراً فهل ستجيبه بتأييده وتعليمه أصول التجارة أم أنك ستعطيه مشورتك بناء على معرفتك به، فإن كنت تعرف عنه أنه لا يصلح للتجارة أو أنه لا يحسن تدبير شئون المال، أو لا يجيد التعامل مع الآخرين في السوق كأن يكون سريع الغضب، أو مندفعاً في اتخاذ القرارات، فقد تنصحه بألا يخوض في عالم التجارة، مع أنك تاجر تخوض فيها، وهنا نصحته بما لا يتوافق مع شخصك فيما لو كنت مكانه.

ولن تكون خائناً له بحال، ولا تخش من أن ينطبق عليك الحديث الشريف: (ومن أشار على أخيه بأمْرٍ يعلَمُ أنَّ الرُّشْدَ في غيرِهِ فقدْ خانَهُ) [رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن] وحديثه عليه وآله الصلاة والسلام: (المستشار مؤتمن) [الترمذي بإسناد حسن] وذلك لأنك أشرت عليه بما تراه خيراً له.

أرأيت لو استشارك أحدهم بخطبة فلانة للزواج فنصحته بعدم خطبتها لعلمك بحاله وحالها وأنهما قد لا يتوافقان في الزواج، بينما قد يستشيرك آخر بخطبة نفس الفتاة فتنصحه بها لعلمك بحاله وحالها.

هذه نقطة مهمة، وهي أننا عندما نتناول أمراً يخص الآخرين علينا أن ننظر إليه بما يتناسب مع وضع الآخرين، لا بما يتناسب مع وضعنا.

كثيراً ما يحصل أن يشكو شخص من أمر ما فيقول له أحد الحضور: افعل كذا وكذا. ثم يبادر أحد الحكماء قائلاً: انتظر يا بني، إنه ليس مثلك ليتصرف كما تقول فهو يختلف عنك ولذلك فأنا أنصحه بكذا وكذا.

ولذلك فإن معرفة واقع السائل أو المستشير مهمة جداً لاختيار الأنسب له، وقد لا يكون هذا الأنسب مناسباً للجميع فكل يعطى الرأي حسب واقعه وحسب قدراته.

ولا أرمي من هذا الكلام البتة إلى ما يتعلق بأحكام الشرع، فأحكام الشرع معالجات إنسانية جعلها الله تعالى صالحة لكل إنسان، وهي لا تتغير إذا كان الواقع الذي تنزل عليه واحداً، وهو ما يطلقون عليه المناط، وعندما تتغير فإن التغير يكون في الواقع، ذكر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى شارحاً هذه الفكرة فقال: أتاني شخص وسألني في مسألة فقلت فيها أنها حرام. فقال لي: كيف يا شيخ؟ وقد سألت الشيخ فلاناً فقال أنها حلال. فأجابه الشيخ الطنطاوي: كيف يقول أنها حلال، هذه المسألة ليس فيها خلاف بين العلماء، ولكن قل لي ماذا قلت له بالضبط؟ فأجاب السائل بكلام يختلف عما سأل به شيخنا، فقال له: أنت سألت الشيخ سؤالاً يختلف عن سؤالك لي، ولذلك اختلف الحكم.

إذن، نحن لا نتحدث عن أحكام الشرع من حيث كونها ثابتة إذا لم يتغير الواقع الذي نزلت عليه.

هل فكرت يوماً في كونك تعامل الناس كلا بحسب شخصه وواقعه، وأنك في كثير من الأحيان تتغير شخصيتك في معاملة الآخرين، لنستذكر حديث الرسول عليه وآله الصلاة والسلام ولنطبقه عملياً على تصرفاتنا: (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ الله مَنْ تَرَكَهُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فحشه) [البخاري وغيره] فمن فحُش قوله وساءت معاملته للآخرين يتعامل الناس معه بحذر خشية أن يأتيهم منه ما يكرهونه، ولذلك فإنه يجد منهم الاحترام ظناً منه أنه يستحقه، وخفي عليه أن معاملتهم له ليست احتراماً له بل اتقاء لفحشه.

علينا أن نفهم الآخرين كأننا هم، كي نحسن التعامل معهم، لنكون عوناً لهم في حياتهم، نعطيهم ما ينفعهم مخلصين لهم في الرأي، ندرس كل حالة على حدة لنعرف كيف نتعامل معها، ولا نعطي آراءنا للآخرين وكأنّهم نحن، فالاختلاف بين الناس أمر طبيعي، في القدرات، والانفعالات، والعواطف، وطريقة فهم الواقع.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.