فائدة: عمرها مائة عام وما زالت بكراً

أمسخ أم تناسخ

(لولا أن التناسخ مما أبطله العقل والنقل لكان من أكبر حجج القائلين به ما تمثله المدارس الأجنبية على مسرح كيدها من مسخ أرواح على صور أخرى:

إذ نرى كل مدرسة وعلى شاكلتها تلميذها -إلا من رحم ربك- كأنما قد تناسخت فيه روح الأمة التي أسست تلك المدرسة لهذه الغاية. فلئن لم يكن ثمة ناسخ فإن هناك المسخ أخاه.

أجل: إن المدارس الأجنبية تمسخ أرواح التلامذة مسخاً من حيث يشعرون أو لا يشعرون.

لا تعجل -أيها التلميذ الغرُّ!- فتغضب من الحق وتأخذك العزة بالإثم. إنك لن تقهر الطبيعة، ولن تستطيع أن يكون بجانبك الفوز إذا ما أردت أمراً وأرادت غيره دولة كبرى، وإنما ذلك المسخ مرادها، ومعها الطبيعة لا معك، كما أوضحنا لك الأمر إجمالاً وتفصيلاً. ومن هنا لم تكن التبعة عليك بل على وليك الذي استرعى الذئب فيك ولم يفكر في عقباه وعقباك.

وإن شئت ضربنا لك الأمثال وأثبتنا عليك دعوى وقوع المسخ فعلاً كما أثبتناه نظراً، وإليك البيان:

روى لي من أثق بهم: أن أخوين لأبوين كانا يمشيان على سَيْف البحر(1) يوماً وقد ألقت مراسيها فيه مدرعة إفرنسية تقل جنوداً بحرية. وكان أحد الأخوين في مدرسة الإفرنسيس والآخر في مدرسة عثمانية، فأخذ الأول يقول للثاني: أعندكم مثل هذه المدرعة. أتملكون مثل هذا الجند؟ يفاخر أخاه العثماني بالمدرعة والجند اللذين ينتسبان إلى المدرسة التي درس فيها فطوّرته كما تشاء هي لا كما هو يشاء. (وقد نقلت هذه الحكاية في محاضرة ألقيتها في العاصمة قبل ست سنوات حملت فيها على المدارس الأجنبية في بيروت وغيرها حملة شعواء تنبيهاً لأفكار قوم وتحذيراً لآخرين) .

وحكى لي آخرون: أن لرجل ولدين وضع أحدهما في مدرسة إنكليزية والآخر في مدرسة إفرنسية وقد أراد بذلك أن يعلم أحدهما الآخر ما يتلقاه في مدرسته فكانت النتيجة أن سمعهما ذات ليلة يتجادلان، أحدهما يتعصب للإنكليز يفوّقهم على الإفرنسيس، والآخر يتعصب للإفرنسيس يفوقهم على الإنكليز، حتى أدت بهما الحال أن يشهر كل منهما مسدسه ليقتل أخاه يذهب به ضحية تحت أقدام التعصب للقوم الذين يدرس في مدرستهم والقوم في بلادهم لا يعرفون له اسماً ولا جسماً. ثم الأفظع من ذلك أن الأب المسكين لما ألحى(2) عليهما باللائمة وأراد أن يحجز بينهما صارا عليه يداً واحدة وأخذا يسبانه ويشتمانه ثم يقولان له: إنك جاهل لا تفهم مثل هذه المباحث ولا تستطيع أن تكون بيننا حكماً!

وحكي لي عن تلميذ في مدرسة أجنبية: أنه كان يستجهل أبويه في كل عمل يعملانه، ويحقر لهما كل عادة ولو كانت عين الحكمة وجاءت بها نواميس السماء. لماذا؟ لأنها لا توافق تعاليم مدرسته وتطويراتها الأخلاقية. حتى أنه عمد إلى ورقة يوماً فرسم فيها أمه وأباه على شكل بقرة وثور. ثم أتى أمه يريها ذلك، كأنه يفخر بهذا الأدب الذي أدبته عليه المدارس الأجنبية!!

وبدت عجرفة من شاب مع من يفضله بكل مظاهره، ثم شفعها بأخرى تعد حقاً بالإضافة إلى البخل الأوروبي وباطلاً بالنسبة إلى كرم النفس الشرقي، وفي خلال ذلك كان يتدفق طيشاً ويسيل خفة وكان الذي يحاوره يقابله بتُؤْدَة ووقار، يقول له: إنما أتلفت لي عنقود عنب لا يساوي نصف درهم، ولم يكن ذلك منك عمداً وها أنا قد سامحتك فاذهب بسلام. فلم يك هذا ليؤثر على الشاب المتعلم! شيئاً بل ما زال يتبع العجرفة بأختها حتى سمعته يقول: على هذا أدبتني المدرسة الفلانية وبها أفتخر. فدعوته حينئذ وحسمت النزاع بينه وبين صاحبه ثم نصحته بما أيقظ فكره وأندى جبينه عرقاً.

ودُعيت إلى حفلة في مدرسة أجنبية تَعاقَب فيها الخطباء والشعراء سويعات وهاموا من الأحاديث في كل واد، حتى اهتزت من تحتهم أعواد المنبر وامتلأ من فوقهم صدر الفضاء، فلا -وشرف النفس وجلال الحمية- ما سمعت خلال كل ذلك كلمة تشف عن عاطفة ملية أو وطنية أو دينية حتى كاد يخيل إلي أني في صعيد أوروبي لا في بلد شرقي عثماني إسلامي. ثم الذي زاد في الطين بلة أن أحد الخطباء ختم كلامه بالدعاء للعَلَم الذي يخص تلك المدرسة وأغفل ذكر (الهلال) الذي هو من أبنائه وعائش في ظل نعمائه. كذلك حتى انتهت الحفلة وفرغت جعبة الخطباء ما سمعت أحداً فاه بكلمة الهلال ولو سهواً؟ فإلى الله المشتكى من ساعة رأيت فيها المسلم في وطنه غريباً ..! ثم غيظاً من ذلك وأسفاً كتبت مقالاً في جريدة ( الرأي العام) نبّهت فيه الأفكار وناقشت أنفسنا ثم ناقشت القوم الحساب.

وقد ضربنا لك غير ذلك من الأمثال من قبل مما لا يبقى معه ريب في أن المدارس الأجنبية تؤثر على العواطف الملّيّة والوطنية والدينية وهكذا تمسخ الأرواح مسخاً. ولو أن في المجال متسعاً لأتيناك من الأمثال بما تجف المحابر قبل أن تنفد كلماته. ولكن فيما ذكرناه غُنية (وكفاك من القلادة ما أحاط بالعنق) أو نقول: (حسبك من شرٍّ سماعُه) .

على أن هناك مثلاً من أجلى مظاهر التطوير محسوساً بالسمع والبصر لكل من ألقى السمع وهو الشهيد، ألا وهو تغلب لغات المدارس على لغات تلاميذها: فإنك ترى المتخرج من مدرسة إفرنسية يتشدق بلغة الإفرنسيس ولا يحلو بفمه للطيف سواها، والمتعلم في مدرسة إنكليزية يتشدق بلغة الإنكليز.

وإذا بحثت في مكتبتيهما وجدت أكثر كتبها في تينك اللغتين، يلتقي المسلم منهما مع أخيه فلا يحييه بتحية الإسلام بل يقول له (بونزور) أو (بونسوار) ثم إذا ما صافحه للوداع قال له: (آديو) أو (أورفوار) وربما كان لا يحسن من الإفرنسية غير هذه الكلمات. تلك حقيقة مطروحة على الطرق، مبعثرة في الأزقة بمرأى ومسمع من كل عابر سبيل فلا تحتاج إلى إثبات ودليل. ولطالما رأيتها بعيني وسمعتها بأذني فعزّرت عليها أناساً ونصحت لآخرين، حتى ربما جرحت عاطفة وأسمعت من القول مراً (3).

بفيه الكثث(4) ما أدري أي أعذوبة في كلمة (آديو) دون (أستودعك الله) أم أي حلاوة يجد في لفظة (أورفوار) دون ( إلى الملتقى) ثم أي فضل يتصور في (بونسوار) مثلاً على (السّلام عليكم) ولكن هي العاطفة إذا ضعُفت فلا يبالي صاحبها أتابعاً كان أم متبوعاً. ثم هو التقليد إذا ما استولى على ضعاف النفوس جعل كفّهم قدماً ووجودهم عدماً. والتقليد أكبر الجناة على الإنسان.

إن مسألة اللغة ليست بالأمر البسيط بل هي مسألة جوهرية، إنما يعرف منبت الرجل بلغته، يرشدك إلى ذلك اشتراكهما بالنسبة، تقول رجل عربي ولغة عربية، مثلاً. وإذا رأيت امرءاً يدعي نفسه عربياً مثلاً ثم رأيته يجهل العربية فإما أن تتهمه في نسبه أو تقول أنه رجل قد أضاع أصله وكلا الأمرين غير هين.

ولكن مع الأسف ترى أكثر المتخرجين من المدارس الأجنبية يحسنون لغة المدارس التي نشأوا فيها أكثر من لغة أبويهم التي يستدل على أصولهم وتعلم أنسابهم، ثم بها يعرفون من بين الأمم إذا ما حشروا في صعيد واحد. ثم ترى كثيرين منهم يدع لغته الأصلية ويتكلم باللغة الأجنبية من غير مسيس حاجة حتى في التافه من موقع الكلام كأنما هي لغته التي رضعها مع اللبان يسبقه إليها الطبع. بل تجد بعضهم حينما يتمتم بها يأخذه شيء من الغرور ويترقرق في وجهه شيء من ماء الفخر فتفهم من ساعتك أنه لمثل هذه الغاية اختار تلك التمتمة. ثم الباعث الوحيد في كل ذلك تشرب الروح مثل هذه الروح في عهد الصبا ونعومة الأظفار وهذا هو التطوير نفسه، وكذلك كانت مسألة اللغة من أجلى مظاهره. ثم هي من أكبر مقدسات المسخ الذي من ورائه يسعى الأجنبي وإياه يريد؛ لأن من مارس لغة قوم إكمالاً وإتقاناً انتهت به إلى الوقوف على أخلاقهم وعاداتهم ومظاهرهم وضمائرهم وغير ذلك ولا بد لمن دخل حانة خَمّار أن يشم روائحها بل الأحرى أن نقول: لا بد لمن ينام بين القبور أن يرى أحلاماً مزعجات.

وفي ختام البحث عن مضار المدارس الأجنبية نلفت الأنظار إلى أمر ربما كان رأساً وإن جاء في البحث ذنباً. وهو أن هناك مسخاً مضافاً على حد قول الشاعر:

فلو كان رُمحاً واحداً لاتقيتُه ……. ولكنّه رُمح وثانٍ وثالثُ

وبيان ذلك: أن المدارس متعددة، والمنازع بينهن مختلفة، والأهواء متباينة، وكذلك هناك اختلاف في العادات والأخلاق والأطوار. ولا شك أن تربية كل مدرسة إنما تكون على مقتضى منازعها وأهوائها وعاداتها وأخلاقها وأطوارها. فالتلميذ الذي تطوره مدرسة إفرنسية لا يمكن أن تأتي تربيته ملائمة لتربية التلميذ الذي تطوره مدرسة إنكليزية مثلاً. كذلك الدماغ الذي تكونه مدرسة إيطالية مثلاً لا يمكن أن يأتي موافقاً لتكون المدرسة الروسية. ومن هنا يأتي التبلبل في التربية -وإن شئت فقل المسخ المضاعف- بين الناشئة الذين هم رجال الأمّة في الغد. وما أخال اجتماعياً بصيراً يرى فوق ذلك من مصيبة على الأمة. وذلك لأن حياة الأمة تقوم بتكاتف أبنائها كأنهم كتلة واحدة؛ وظهور الأمة بهذا المظهر إنما يكون نتيجة اتحاد أفرادها في النظر والإحساس وهذا موقوف على وحدة التربية والتعليم وهذه هي الأساس. فتبلبل تربية الناشئة واختلاف التعليم عليهم في المدارس الأجنبية بمثابة معول لقلع حياة الأمة من أساسها. وهذه هي الغاية القصوى للأجنبي، ولمثل هذا كانت المدارس الأجنبية أشد وقعاً علينا وأكبر ضرراً من المدافع والبنادق، تمطرنا ناراً في سُوح الوغى وميادين القتال.

من أجل ذلك أرى أن إنقاذ تلميذ من مدرسة أجنبية لا يقل في خدمة الدين والوطن والأمة عن إنقاذ جاهل من يد مبشر، وأن إقفال مدرسة أجنبية في بلادنا بمثابة فتح لنا في بلاد أعدائنا هُدمت فيه معاقل ودُكت حصون) .

الهوامش

(1) سيف البحر: ساحله، والجمع أسياف، وفي حديث جابر قال: فأتينا سيف البحر أي ساحله. [لسان العرب] .

(2) لحي الرجل لحواً: شتمه، وفي الحديث: نهيت عن ملاحاة الرجال، أي مقاولتهم ومخاصمتهم وهو من لحيت الرجل ألحاه لحيا: إذا لمته وعذلته. [لسان العرب] .

(3) حكى لي ممن عاصر الشيخ حبيب رحمه الله أنه كان يتصرف مع الناس كرجل دولة مسؤول يحاسب ويقضي، قلت بمعنى دقيق: إنه كان رحمه الله يأمر بمعروف ظهر تركه، وينهى عن منكر ظهر فعله، ويتصرف بوصفه راعياً من موقعه، ولا سيما أنه كان من رجال الدولة في الرأي والفكر والسياسة.

(4) كث الشيء كثاثة أي كثف، ولعله تصحيف للأصل: الكِثكث وهو دقاق التراب، وفتات الحجارة، وقيل التراب مع الحجر، وفي حديث حنين قال أبو سفيان عند الحولة التي كانت من المسلمين: غلبت والله هوازن، فقال له صفوان: بفيك الكثكث، دقائق الحصى والتراب. [لسان العرب]

مقالة منقولة بالنص من كتاب:

[جنايات الإنكليز على البشر عامة وعلى المسلمين خاصة، للسيد محمد حبيب العبيدي الموصلي الحنفي رحمه الله (1880-1963) بضبط وتحقيق عز الدين هشام بن عبد الكريم البدراني الموصلي]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.