بركة الوقت وضياعه

أسأل الله تعالى أن يعيننا وجميع المسلمين على الاستفادة من الأيام القادمة بالطاعة والعبادة والذكر، وعدم تضييعها باللهو وقتل الوقت، وهي العشر الأول من ذي الحجة، أعظم الأيام عند الله تعالى، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) [مسند أحمد] وروي من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عمر بنحوه وقال البخاري: وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.

وأخرج الترمذي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر. فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال: ولا الجهاد في سبيل الله. إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) .

وروى أبو داود عن عبد الله بن قرط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر ثم يوم القر) ويوم القر هو يوم الاستقرار في منى ويأتي بعد يوم النحر. وأخرج مالك عن زياد بن أبي زياد عن طلحة بن عبيد الله بن كُرَيْز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وأخرج مسلم عن ابن المسيِّب قال: قالت عائشة: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من يوم أكثر من أن يُعتِقَ الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء) وروى النسائي عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري عن قَتادة بن النُّعمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صام يوم عرفة غفر له سنة أمامه وسنة بعده) وأخرج الترمذي عن عبد الله بن مَعبَد الزّماني عن أبي قَتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صيام يوم عرفة، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) .

فهذه الأدلة وغيرها كثير تدل على عظمة هذه الأيام ومنها يوم عرفة ويوم النحر، وسعيد من استفاد من هذه الأيام بالإكثار من العبادة وأقصد بالعبادة التنفل، فلا يتصور من المسلم أن يتعبد الله بالفروض في مثل هذه الأيام ولا يتعبده بها في الأيام الأخرى، فهذه وربي مصيبة وأي مصيبة.

إن المسلم مأمور أن يعبد الله كما أمر جل وعلا في كل وقت وفي كل مكان، أن يأتيَ بالفروض التي فرضها الله جل وعلا عليه، وهذه الفروض تتعدد وتتنوع فمنها ما يخص بكلمة العبادة كالصلاة والصيام والصدقة وغيرها، ومنها ما يخص بكلمة المعاملات، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها إقامة حكم الله، فهذه كلها فروض لا يتأتى أن تنسى في أيام السنة وتذكر أو يذكر بعض منها في رمضان أو في مثل هذه الأيام العظيمة.

بل النصح هو في الاستفادة من مواسم الطاعة هذه التي تكرم الله علينا بها، في الإكثار من النوافل.

والوقت فيه بركة كبيرة إن استُغل في طاعة الله تعالى، وفيه محق وضياع إن استغل بغير ذلك من اللهو ولو كان مباحاً فيما إذا زاد عن حده فصار مضيعة للوقت، أو لم يقصد به وجه الله تعالى.

فمثلاً: مشاهدة مباراة لكرة القدم قد تستغرق ساعتين من الزمن، ومشاهدة فيلم في التلفزيون تستغرق ساعتين أو ساعة ونصف، ومشاهدة مسرحية قد تستغرق أكثر من ثلاث ساعات، واللعب واللهو يأخذ من الوقت ما يضيعه ولكن قراءة جزء من القرآن الكريم تستغرق فقط خمساً وعشرين دقيقة، وهي القراءة المتأنية التي يطلق عليها التلاوة. وقراءة صفحة من كتاب متوسط القطع تستغرق دقيقة أو أكثر قليلاً، وقيام الليل إن قرئ في الركعة بربع حزب لا يزيد عن ساعتين، والجلوس بعد الصلاة لذكر الله بالأذكار المأثورة لا يزيد عن عشرة دقائق، وهكذا، نجد أن في الوقت بركة إن استغل في طاعة الله تعالى.

أمر آخر، لقد كتب الله علينا قصر الأعمار بالنسبة للأمم السابقة، فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعمار أمتي ما بين ستين إلى سبعين وأقلهم من يجوز ذلك) وجاء فيما أثر عن أحد الأنبياء أنه لما علم بقصر عمر من سيأتون بعده من الأمم استغرب وقال: كيف يعبدونك يا رب. فهو يستغرب من قصر العمر هذا كيف يتسنى للمؤمن أن يعبد الله فيه حق عبادته، وهذا الخبر وإن لم يصح فإن معناه صحيح، إذ كيف تكفي ستون سنة أو سبعون لعبادة الله تعالى؟

لو قلنا المتوسط سبعون سنة، فهي تعادل 25200 يوم أي 604800 ساعة أي 36288000 دقيقة

ولو فرضنا فيما هو أقل من المعدل بكثير ما يلي:

دخول الحمام (أجلّ الله أقداركم) يومياً وملحقاته: ساعة في اليوم = 25200 ساعة = 1050 يوم = 3 سنوات

النوم وما يسبقه من نعاس وما يتبعه من استيقاظ: ثماني ساعات في اليوم = 201600 ساعة = 23 سنة

التنقل والخروج وغيره: ثلاث ساعات في اليوم = 75600 ساعة = 8.5 سنة

الأكل والشرب: ساعتان في اليوم = 50400 ساعة = 6 سنوات

الوقت الضائع: ساعتان في اليوم = 50400 ساعة = 6 سنوات

المجموع : 46 سنة ست وأربعون سنة بالتقريب ويكون الباقي من السبعين 24 سنة مع عدم احتساب أمور كثيرة كالعمل والزيارات وسفر السياحة.

وهذا أمر نسبي إذ يمكن لكل واحد منا أن يحسب معدل ما يستهلكه يومياً من وقت فيعرف كم يروح من عمره في النوم والأكل ودخول الحمام واللعب واللهو وغير ذلك. وما وضعت هذه الحسبة إلا لتكون نموذجاً ليضع كل واحد منا حسبته ليعرف أين يذهب عمره.

ولا يعني هذا بالطبع الاستهانة بما يستهلكه الوقت من عمل وأكل وزيارات وغيرها مما ذكر، فهذه لا بد منها بل ويثاب المؤمن عليها ومنها اللعب والرياضة وغيرها من المباحات فهي تجلب الثواب إن قصد بها وجه الله تعالى على تفصيل عند السادة الفقهاء ليس هذا مجاله، ولكن تم ذكرها ليعرف كل واحد منها بحساب الوقت ماذا يروح منه وماذا يظل لينتبه لنفسه.

وعوداً لما بدأته عن قصر العمر، فإن الله تعالى أكرمنا وأنعم علينا وعوضنا، نعم، عوضنا بهذا العمر القصير نسبة إلى من سبقونا بمواسم وأيام وأماكن للعبادة كرمضان والمساجد الثلاثة ومسجد قباء والأيام العشر وغيرها، لو قمنا بها كما أمرنا لصارت عبادتنا له أكثر من سبعين سنة، بل لفاقت مئات السنين.

عن نفسي فأنا لا أحب أعياد الميلاد ولا أذكر أنني احتفلت بواحد منها، بل أعرف مما تعلمته حرمتها وليس هذا مقام نقاشها، ولكن ما وددت أن أقوله هنا أمراً آخر، وهو إشفاقي على كل من يحتفل فرحاً بيوم ميلاده، ولو أدرك المسكين أن عمره قد نقص ودنوه من القبر قد ازداد لم يطفئ شمعة، بل لأشعل شمعة (إشعال الشموع دليل الحزن، وإطفاؤها دليل الفرح عندهم) ولذلك ينتابني حزن شديد إذا جاء يوم مولدي ويتغلبني شعور بأني حملت إلى قبري قدر سنة.

وكثيرا ما أطرح هذا اللغز (ما هو الشيء الذي إن زاد نقص) ؟؟ إنه العمر، كلما زاد عمرك كلما نقص عمرك، وكل يوم يمر عليك يدنيك من قبرك يوما، ولله در الحسن البصري رحمه الله عندما قال: (يا بن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك) [وفيات الأعيان: 1/286 وجاء أن رابعة قالت لسفيان: إنما أنت أيام معدودة فإذا ذهب يوم ذهب بعضك] .

فالعمر فيه بركة كبيرة إن عرف كيف يستغل، وهو ممحوق البركة إن ضيع باللهو والعبث.

والمسلمون من دون الناس أولى الناس بمعرفة هذا، فإنهم مع مسئوليتهم عن أنفسهم أمام الله تعالى، فإنهم مسئولون عن باقي الأمم قال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) [آل عمران: 110] وقال عز وجلّ: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة: من 143] فهم مسئولون عن الأمم كلها يدعونهم إلى الإسلام، وينقذونهم من النار، ولن يكون هذا أبداً بالاستسلام لهذا الواقع والاستجابة لفتنه ومتعه وإلهاءاته، بل بمحفظة الوقت وإشعاع الهدى وهو دين الله تعالى وخاتمة الرسالات التي باتت البشرية في ازدياد متسارع للحاجة إليه، فكم يحتاج المسلمون إلى استغلال وقتهم لتحقيق كل هذا؟ ورحم الله من قال: كم في القبور من حسرات.

وصلى الله تعالى على سيدي القائل : (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) [الترمذي والمنذري وغيرهم]

أسأل الله تعالى أن يرشدنا ويلهمنا ويعيننا على الاستفادة من وقتنا فيما ينفعنا وينفع أمتنا وينفع البشر الذين ينتظرون منا الكثير.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

للاستماع

https://www.youtube.com/watch?v=n1pAe92tHq0&t=8s

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.