الإفساد وارتباطه بالأرض وما عليها

لم يرد في القرآن الكريم فعل (فسد) ، ولا اسم (فاسد) ، وما ورد هو مفسد، يفسد، أفسد، تُفسد وكلها يفهم منها إيجاد الفساد، وفي هذا دلالة على أن الفساد لا يقتصر على صاحبه بل يتعداه إلى من حوله، والفرق كبير بين فسد ومُفسد، وكذلك بين فَسد وأفسد، وكأن الفاسد لا يكون فساده ضرراً عليه فقط بل يتعداه بشكل دائم إلى المحيط الذي يعيش فيه فتحول إلى مفسد، فهو كالثمرة العفنة لا تملك إلا أن تصيب بضررها من حولها من الثمار فلا تلبث فترة إلا وتحولت إلى عفن في عفن.

أما مشتقات الكلمة فقد وردت في القرآن الكريم ما يزيد عن أربعين مرة، وقد وردت بصيغة يُفسد بالمفرد والجمع، وكذلك تُفسد، ولتفسدن، ومفسد، وفساد ومفسدون، وكل هذه المشتقات ارتبطت بالأرض إلا ما ندر منها ولا يخرج المعنى عن الإفساد بالأرض وإن لم يأت مباشراً لما يدل عليه السياق وفهم واقع المفسد في آيات أخرى:

مثل قوله تعالى (الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ) [النحل: 88] ومثلها خمس آيات ذكرت فرعون ولم تربط الفساد فيها مباشرة بالأرض ولكن يفهم ارتباطه بالأرض من آيات أخرى كقوله تعالى (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)

وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ 10 الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ 11 فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ

يُفسد بالمفرد والجمع وردت 8 ، 1 بدون الأرض

4 لا تفسد في الأرض

1 لتفسدن في الأرض

21 مفسد

11 فساد في الأرض

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ

وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ 10 الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ 11 فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ

وردت كلمة فسد ومشتقاتها في القرآن الكريم (44) مرة، وورد الإفساد مقترناً بالأرض أو ما يصح نطلق عليه الفساد الظاهر (40) مرة ومن الأمثلة عليه:

(وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) [البقرة: 205]

(وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [الرعد: 25]

(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم: 41]

أما الآيات الأخرى فقد وردت فيها كلمة المفسد والمفسدين وهم الذين يُفسدون، ولم تخرج المعاني فيها عن معنى ظهور الفساد، سواء لفساد صاحبه أو بإفساد غيره.

أما الفساد فهو نقيض الصلاح، وفساد الشيء خروجه عن صلاحه، ولذلك فإن إفساد الشيء هو إخراجه عن حالة صلاحه التي هو فيها والتي هي الأصل فيه، ولذلك فكل من يتدخل في شيء ليخرجه عن حالته الطبيعية التي خلقه الله عليها، أو حالته التي يؤدي مهمته خلالها، فهو يفسد هذا الشيء.

عندما ظهرت قدور الضغط، اشترى أحد الأصدقاء لزوجته واحداً منها، فوضعت فيه اللحم ووضعته على النار، ورأت فيه فتحة تخرج هواء فقالت في نفسها: لعلها خراب فيه. والحقيقة أن الفتحة كانت صمام الأمان لهذه النوعية من القدور فعندما يكثر الضغط يسرب صمام الأمان الضغط الزائد، المهم أن المرأة قامت بإغلاق هذا الصمام بشيء من العجين ووضعت عليه ثقلاً وتركت القدر لينفجر بعد عدة دقائق في المطبخ ويضرب في السقف، وسلم الله المرأة المسكينة التي أرادت أن تصلح صالحاً فأفسدته.

العبرة من هذه الحكاية أن هذا القدر لا يكون صالحاً إلا بهذه الفتحة، ولو كان قدراً عادياً لكانت الفتحة فساداً فيه.

إذا نظرنا إلى شيء معوج فلا نظن أنه فاسد، بل قد يكون صلاحه في اعوجاجه، فالإبرة الدائرية تقوم بدورها لأنها دائرية وليس هذا الاعوجاج فساداً فيها. ولذلك علينا أن نعرف معيار الصلاح كي نقيس به كل شيء وخاصة ما نراه معوجاً فقد لا يكون كذلك حسب المعيار الذي عرفناه.

المخلوقات التي تعيش وفق منهج الله تعالى سواء التي تحكم بهذا المنهج وتحتكم إليه بإرادتها كالبشر، أو تلك التي تُحكم بهذا المنهج دون إرادة منها، كالبهائم والجماد والأراضي والبحار والشجر وغيرها من مخلوقات الله، كل مخلوق من هذه المخلوقات له منهج يضمن صلاحه ليقوم بمهمته على هذه الأرض خير قيام، خلقه الله لشيء وجعل صلاحه إما في نفسه وإما مفروضاً عليه من غيره، وفي كلا الحالتين هو يسير حسب منهج الله الذي يصلح الأرض والخلق.

أما البهائم فإنها خلقت ووضع الله تعالى فيها من الخواص ما يجعلها تعيش حياتها وفق منهج الصلاح بشكل طبيعي، فالأسد يأكل اللحم النيء، ويعرف طبيعياً ما يبتعد عنه من الطعام، والبقرة تأكل الخضار وتعرف المسموم منها والمفيد، وهكذا، ولذلك إذا تركت البقرة تأكل وتمتنع، وترك الأسد يبحث عن أكله، فلن تجد اضطراباً في الحياة عندهم، ولكن إذا أدخلت الأسد السيرك وعلمته على أكل اللحم المطبوخ وغيره، أو علمت البقرة على أكل الخبز وبقايا الطعام، هنا يكون التدخل، وهنا يكون التأثر والخروج من الحالة الطبيعية إلى حالة طارئة، فتجد البقرة بأسنان مسوسة، وأمراض متعددة وغير ذلك من آثار الحالة الجديدة التي دخلت فيها.

أما الإنسان فإنه يختلف عن البهيمة من هذه الناحية، فهو لا يعرف ما ينفعه وما يضره، وإن عاش مع البهائم، فلا يمكن أن يكون مثلهم، ولذلك فإن منهج إصلاحه يتميز باثنتين:

الأولى: أنه منهج جاءه من خارجه، جاءه من خالقه العالم بطبيعته لأنه هو الذي خلقه.

الثانية: أن هذا المنهج لم يأت للإنسان خاصة، وإنما جاء للإنسان ليصلح به كل الأرض وكل ما فيها من بهائم وجماد وشجر وبحر وسماء.

ولذلك فهو منهج يصلح الانسان ويحوله إلى مصلح لكل ما حول.

الإفساد في الأرض هو التدخل بمنهج مفسد وذلك بحجة الإصلاح، والمفسدون في الأرض هم هؤلاء الذين رفضوا منهج الله تعالى في إصلاحهم لجعلهم خلفاء في الأرض يعمرونها بمنهجه تعالى، وأرادوا أن يقوموا بدور المشرع لهذا المنهج، وهؤلاء مهما شرعوا واشتغلوا فإنهم يدمرون أنفسهم ويدمرون الأرض وما فيها.

وهذا الإفساد يستهدف كل شيء: الأخلاق، الأسرة، الأفكار، النظم، البيئة، الشجر، البحار، النفس الإنسانية، الطفل، كل شيء ولن تجد شيئاً يسلم منه.

هذا التخبط في التقنين للبشر، وهذه العلاقات المجرمة حيوانياً، وهذا التدمير للأشجار، وهذا التلوث، وهذه الأطفال التي تحولت إلى وحوش وهذه النفس الإنسانية التي صارت أرخص من التراب تسفك في كل وقت ولأي سبب، كل ما تعانيه البشرية من دمار متسارع في كل شيء، سببه الإفساد في الأرض، وذلك عندما يبتعد الإنسان عن منهج الله تعالى، ويخترع لنفسه ما يشاء من مناهج متناقضة يغيرها كما يغير ملابسه.

إن الأرض ومن فيها وما فيها مستهدفة من المفسدين، الذين يريدون أن يروا الفساد في كل خلق الله، لا يميزون بين مسلم وكافر ولا بين إنسان وحيوان، ولا بين شجر وحجر، يريدون الإفساد والإفساد فقط، لتدمير كل شيء.

{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.