فقراء متأنّقون

ألقاب صار وجودها في حياتنا أهم من وجود أصحابها، وأضحت أهميتها أهم من فكر حامليها، ذهبت قيمتها من كثرة ما تُطلق على من يستحقها ومن لا يستحقها، بل صار من لا يستحقون هذه الألقاب أكثر وأشهر ممن يستحقونها.

ولنبدأ بلقب الأستاذ وهو لقب الفقراء كما أحب أن أطلق عليه في هذه الأيام، وأعني بالفقراء الذين لا يملكون ألقاباً.

هناك دكتور، وشيخ ومهندس ومحامي وغيرهم، وهذه ألقاب اعتاد الناس عليها لأنها تمثل شهادات علمية تكمن وراء كل لقب منها، ولكن الفقير في هذه الأيام هو من لا يملك أي لقب من هذه الألقاب ولذلك فهو بحاجة إلى لقب (فري سايز) يناسب الكل، ولن تجد أفضل من لقب (أستاذ) بمعنى أنك إذا رأيت مقابلة مع شخص ونودي بالأستاذ: تفضل يا أستاذ! لنسمع رأي الأستاذ! فاعلم أنه فقير يحب التأنق فهو لا يملك لقباً وإلا لنودي به، ولذلك تصدّق عليه الآخرون بلقب الأستاذ مجاملة له، أو لأن اللقب صار أمراً ضرورياً في حياتنا، وبدونه يظهر المخاطَب بشكل مزري!

الأستاذ كلمة أعجمية، وتعني الماهر في فنه المتخصص به، جاء في كتاب المعرب للجواليقي: (وأما الأستاذ فكلمة ليست بعربية يقولون للماهر بصنعته أستاذ ولا توجد هذه الكلمة في الشعر الجاهلي، واصطلحت العامة إذا عظموا الخصي أن يخاطبوه بالأستاذ، وإنما أخذوا ذلك من الأستاذ الذي هو الصانع، لأنه ربما كان تحت يده غلمان يؤدبهم، فكأنه أستاذ في حسن الأدب) [المعرب لأبي منصور الجواليقي،540هـ، ص: 125، وجاءت الخصي مرادفة للأستاذ لأنهم كانوا يحرصون عليه ليدخل على أبنائهم في بيوتهم فيأمنونه عليهم] وجاء في الهامش: (لم يرد هذا اللفظ في المعاجم، قال الصاغاني في ترجمة سبذة: لا تجتمع السين والذال في كلمة من كلام العرب) [المرجع السابق، المحقق الدكتور ف. عبد الرحيم] .

وذكره صاحب التاج في مادة ستذ: (واستدرك شيخنا لفظ الأستاذ، وهو من الألفاظ الدائرة المشهورة التي ينبغي التعرض لها وإيضاحها وإن كان عجمياً، وكون الهمزة أصلاً هو الذي يقتضيه صنيع الشهاب الفيومي، لأنه ذكره في الهمزة، وقال: الأستاذ: كلمة أعجمية، ومعناها الماهر بالشيء العظيم، وفي شفاء الغليل: ولم يوجد في كلام جاهلي، والعامة تقوله بمعنى الخصي، لأنه يؤدب الصغار غالباً، وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتاب له سماه المطرب في أشعار أهل المغرب: الأستاذ: كلمة ليست بعربية، ولا توجد في الشعر الجاهلي، واصطلحت العامة إذا عظموا المحبوب أن يخاطبوه بالأستاذ، وإنما أخذوا ذالك من الماهر بصنعته، لأنه ربما كان تحت يده غلمان يؤدبهم، فكأنه أستاذ في حسن الأدب، حدثنا بهذا جماعة ببغداد، منهم أبو الفرج بن الجوزي، قال: سمعته من شيخنا اللغوي أبي منصور الجواليقي في كتابه المعرب، من تأليفه) [تاج العروس، للزبيدي 1205ه: 9/418].

ولعل كلمة أسطى الدارجة على ألسنة العامة جاءت من كلمة أستاذ ففخمت التاء وصارت أسطى، وهي تستخدم كذلك بنفس المعنى للحاذق في فن من الفنون، وغلبت كلمة أسطى على الفنون الحرفية بشكل عام.

على أن الأستاذ تطلق كلقب علمي لحامل شهادة علمية، وكذلك يقال أستاذ مشارك وأستاذ كرسي وغير ذلك مما تعارفت عليه الجامعات. وليس هذا ما يهمنا هنا، فمن يطلق عليه أستاذ كلقب علمي مبني على دراسة علمية أو شهادة أكاديمية فهو أستاذ في العلم الذي يحمله وهو جدير بلقبه.

موضوعنا هو استخدام هذه الألقاب لرسم هالة على أصحابها تجعلهم من الصدارة بحيث يتقبل الناس منهم انبهاراً بتلك الألقاب.

اللقب عندما يطلق على الشخص فإنما يراد منه معرفة الآخرين لقدرة هذا الشخص فيما أريد منه أن يقدمه لهم، كعلم، أو خبرة، أو تدريس في مادة معينة، ولذلك يهمني أن أقرأ على باب غرفة الطبيب شهاداته وزمالاته كي أسمح له بمعالجتي قبل أن أدخل عليه، ويهمني أن أعرف شهادة مدرس أبنائي ولقبه العلمي ليستفيدوا منه، ويهمني أن أعرف ما تلقاه شيخي من العلوم ومن درس عليهم من العلماء لأجلس إليه وأتعلم منه، هنا تأتي أهمية الألقاب العلمية، وأقول هذا كي لا يظن ظانّ أنني أستهزأ بهذه الألقاب، أو أنكر أهميتها، فهي مهمة لما أريد منها، ولأن صاحب هذا اللقب العلمي استحق هذا اللقب فقد درس وبحث وعانى وتعب كي يحصل عليه بكل جدارة.

حديثي عن هذه الألقاب من ناحيتين:

الأولى: إطلاق اللقب على من لا يملكه وبالتالي فهو لا يستحقه.

الثانية: إطلاق اللقب على من يملكه، ولكن لا علاقة للقبه فيما يقدمه للآخرين.

أما الناحية الأولى، فلا أتصور أن يطلق لقب دكتور أو مهندس أو طبيب على من لا يملك هذا اللقب، لأنه سيظهر بمظهر الكذاب أو ربما تعود الناس إطلاق اللقب عليه لأنه يستحقه معنوياً، أو أن تكون شهادة لقبه مزورة أو مشتراة فهذا كذب ودناءة أيضاً.

ولكن لقب الأستاذ صار يطلق على من ليس عنده لقب علمي كما قدمنا، وما أكثر الأساتذة في زمننا هذا، إن لم يكن دكتوراً فهو بطبيعة الحال أستاذ، وإن لم يكن مهندساً فهو بطبيعة الحال أستاذ، وانظر إلى كل من يتصدى للعامة يوجههم ويدرسهم وينقل لهم آراءه، وما أكثرهم في الفضائيات والإنترنت وغيرها من وسائل الرأي العام.

ولو أن الناس تستخدم كلمة أستاذ بمعناها الصحيح وهو الحاذق في فنه الماهر في تخصصه، لقلنا لا بأس، فإذا قيل عن مطرب ما أنه أستاذ فهم الجميع أنه حاذق في الطرب، وإذا قيل لراقصة أنها أستاذة [حسب عملي أن أستاذ لا تؤنث] فهموا أنها ماهرة في الرقص، وكذلك الممثل والصحفي والبائع، والسارق، والمزور، والمجرم، كل واحد من هؤلاء أستاذ لأنه محترف في صنعته ماهر فيها، ولذلك يُسمع من الأستاذ المطرب ما يتعلق بالطرب والنشاز، ومن الأستاذة الراقصة ما يتعلق بالرقص والمجون، ومن الأستاذ الصحفي ما يتعلق بالصحافة، ومن الأستاذ الحرامي كيفية فتح الخزائن، فلا بأس في ذلك لأن استخدام كلمة أستاذ بمعناها الصحيح وموقعها الذي وضعت من أجله شيء جميل. مع أنها لم تعد تستخدم هذا الاستخدام الصحيح بل صارت تطلق على كل فاشل في تخصصه.

ولكن المصيبة أنها صارت تطلق لإضفاء القدر والمكانة على من لا يستحقها، فيقال للمطرب يا أستاذ ثم يسأل في غير فنه الذي لُقب به كالسياسة مثلاً، وتنادى الراقصة بالأستاذة ثم يطلب منها أن تبدي رأياً في الأسرة وأهمية دور الأم فيها وكيف عليها أن تعلم بناتها الأخلاق الحميدة، ويقال للصحفي يا أستاذ ثم يطلب منه أن يفتي في الدين، وقس على هذا كل ما نراه يومياً من أساتذة، خدعونا بألقابهم ليأسروا عقولنا بتفاهاتهم.

أما الناحية الثانية فهي الألقاب العلمية التي يستحقها حاملوها ولكنها تطلق في غير مجال علمهم الذي حصّلوها بسببه، وهذه ضغث على إبالة الكذب والتزوير اللذين ابتلي بهما الناس.

ترى مهندساً معمارياً أو ميكانيكياً أو غير ذلك من أنواع الهندسة يشتغل في الفكر الإنساني، فيكتب ويؤلف، ويضع (م) أمام اسمه، أي مهندس، ولا أدري ما قيمة هذا الحرف الذي يمثل لقباً علمياً عند الجمهور الذين يخاطبهم بفكره؟ ولا أدري ما علاقة الهندسة التي درسها بالفكر الذي يكتب فيه؟ فمثل هذا لا يصح أن يظهر نفسه كمهندس ثم يتحدث في غير علم لقبه الذي يحمله. لأن الناس لا تقرأ أو تستمع له لتبني عنده بيوتاً أو لتصلح عنده آلات وأجهزة، وإنما لتستفيد من فكره الذي لا علاقة له بالهندسة، وإن قيل أن الحاجة ماسة لمعرفة أنه متعلم فغير صحيح لأن هذا يعني أن من يتحدث في الفكر الإنساني ولا لقب عنده مرفوض، بينما نجد أن عمالقة هذا الفكر لا ألقاب لديهم.

وترى طبيباً يتصدر للسياسة ويخاطب الجمهور ليقودهم ويوجههم، فما علاقة طبه وعلمه في الجراحة بالسياسة التي يشتغل بها؟ فالجمهور لم يستمعوا له من أجل أن يعالج أمراضهم أو يجري لهم عمليات جراحية، وإنما استمعوا له كقائد سياسي أو مفكر ليوجههم في الفكر والسياسة لا في الطب والجراحة.

وترى دكتوراً جامعياً يتصدى للحديث في أمر ما مستغلاً لقبه، ويستمع العامة له منبهرين بلقبه، فهو يتحدث في التاريخ لأن الدكتوراة التي يحملها في التاريخ، ولم يسأله واحد من الحضور عن موضوع رسالته، ولو سأله لأجاب: رسالتي في تاريخ الفلكلور الشعبي في البلد الفلاني. ولا أدري ما علاقة هذه الدكتوراة بالتاريخ بشكل عام؟ أو تجد آخر يتحدث عن الحياة الإجتماعية ونواحي النهضة الأخلاقية فيها مستغلاً الدكتوراة التي يحملها، ولو سأله أحدهم عن شهادته لأجاب باستحياء: إنها في فن القرع على الطبول، أو تاريخ الآلات الوترية مقارنة بآلات النفخ الموسيقية، أو تجد دكتوراً في أصول الفقه -وما أعظم وأعقد هذا العلم- يتخبط في أصول الفقه ظاناً نفسه أنه الشافعي ورسالته في تحقيق مخطوط أصولي.

تصور أن شيخك الذي يدرسك أحكام القرآن الكريم مثلاً مهندس، فهل ستخاطبه بيامهندس؟ أو يا باشمهندس كما هو دارج؟ لا، بل ستخاطبه بالشيخ، لأن هندسته لن تفيدك في تعلم أحكام التجويد، وعليه إن كان ذا حس مرهف أن ينهى الآخرين عن مخاطبته بالمهندس، ولكنه إذا ذهب إلى عمله في الموقع يجب أن يخاطب به لعلاقته العلمية بعمله، هكذا يجب أن نفهم الأمور، كيف نضع كل شيء في نصابه.

كل من درس وحمل فكراً له أن يتحدث بما درسه وما توصل إليه من فكر كما يشاء، ولكن أن يستغل لقبه ليتحدث فيما لا علاقة للَقَبه به، فهذا استخفاف لا يليق.

أما العوام فحدث ما شئت عن انبهارهم بهذه المظاهر، وانسياقهم وراء الألقاب، وهذا الذي جعلهم عرضة لكل من هبّ ودبّ يوجههم كيفما يريد.

لماذا نريد لرأينا أن يكون مؤثراً باللقب الذي نحمله، لا بصحته وانطباقه على الواقع؟ لماذا نريد من الناس أن يتْبعونا ويصفقوا لنا انبهاراً بألقابنا، وليس تصديقاً لطرحنا؟ حتى وصل بنا الحال أن نعتبر من لا لقب عنده جاهلاً أو على الأقل لا يستحق أن يتصدر المجالس ليخاطب الجمهور.

إنه النقص، النقص الذي يشعر به صاحب اللقب إن لم يستخدم لقبه، وكأن هذا اللقب ساتر لعورته، ولكنه إذا كان واثقاً بما عنده، وهو يعلم ألا علاقة له بلقبه فإنه لن يخرج بلقبه للناس بل سيعتبر لقبه عورة عليه أن يسترها.

هل يوجد في أمتنا من يعي هذا الأمر ويحسن التعامل فيه؟

نعم، موجودون؛ أولئك الذين يعتمدون على قوة ما يطرحونه من فكر، لا على المظاهر الخادعة، أولئك الذين يبنون صروح المجد بفكرهم وبانقياد الناس لهذا الفكر لا للألقاب والزيف، وهؤلاء هم القادة الحقيقيون للأمة، أما الذين يحاولون أن يقووا ما عندهم بالألقاب، ولا يقبل الواحد منهم أن ينادى باسمه بل يريد حرف الميم أو حرف الدال أو حرف الألف فهؤلاء أسرى لهذه الحروف، وعليهم أن يبحثوا عن بناة صروح المجد ليتعلموا منهم وليدرك أسرى الألقاب ضحالة قدرهم أمام من لا يعبأ بها. عسى أن ينفعهم هذا في التحرر من أسرهم.

قال الشاعر:

خنافسُ الأرض تجـري في أعِنَّتِها

وسـابحُ الخيل مربوطٌ إلى الوتـدِ

وأتفهُ الناس يقضي في مصالحهمْ

حكمَ الرويبضـةِ المذكورِ في السنَدِ

فكم شجاعٍ أضـاع الناسُ هيبتَهُ

وكمْ جبانٍ مُهـابٍ هيبـةَ الأسَدِ

وكم فصيحٍ أمات الجهلُ حُجَّتَهُ

وكم صفيقٍ لهُ الأسـماعُ في رَغَدِ

وكم كريمٍ غدا في غير موضعـهِ

وكم وضيعٍ غدا في أرفعِ الجُــدَدِ

دار الزمان على الإنسان وانقلبَتْ

كلُّ الموازين واختلَّـتْ بمُســتندِ

وخير ختام قول سيدي رسول الله عليه وآله أفضل الصلاة والسلام:

(تأتي على النَّاسِ سَنواتٌ خدَّاعاتٌ يُصدَّقُ فيها الكاذبُ، ويُكَذَّبُ فيها الصَّادقُ، ويؤتَمنُ فيها الخائنُ ويخوَّنُ فيها الأمينُ، وينطِقُ الرُّوَيْبضة قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ وما الرُّوَيْبضةُ ؟ قالَ: الرَّجلُ التَّافِهُ يتَكَلَّمُ في أمرِ العامَّةِ) [أحمد والحاكم، وجاء في لسان العرب عن الرويبضة أنه العاجز الذي رَبَضَ عن معَالي الأُمور وقَعَد عن طَلبها، وزيادة الهاء للمبالغة في وصفه، جعل الرابِضَة راعِيَ الرَّبِيض كما يقال داهية، قال: والغالب أَنه قيل للتافه من الناس رابضة ورويبضة لربوضه في بيته وقلة انبعاثه في الأُمور الجسيمة]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.