تفاوت الأدران، وأنظفها مادياتها

أنظف الأدران مادياتها، وهي ما يعتري الجسم من عرق وغيره، تتغير بها الرائحة، ويضيق منها البشر.

ولكن لماذا هي أنظف الأدران؟ يحلو لي أن أطلق عليها كذلك، لأنّ ثمة أدراناً تفوق الأدران المادية في وساختها وخطرها، وهي أدران النفوس، أو ما يطلق عليها أمراض القلوب. فالأدران المادية لا توسخ النفوس ولا تمسخ القلوب، فكم من عامل يكدح بعرقه وأوساخه، يحمل بين جنباته قلباً نظيفاً خالياً من الأوساخ ونفساً عظيمة صافية، وكم من نظيف تفوح منه أطيب العطور يحمل في صدره قلباً حقوداً حسوداً مُلئ بالغيرة والعجب إلى درجة القذارة.

هذه هي الأدران التي تودي بصاحبها إلى المهالك، وهي التي لا ينفع معها الغسل ولا المزيلات ولا حتى تغيير الملابس.

وأمراض القلوب كثيرة كالحسد والغيرة والحقد والبغض والعجب بالنفس وغيرها، وقد كتب فيها سادتنا العلماء فأجادوا، ولن نلحق بركبهم في بحثها وإعطائها حقها، ومن الذين كتبوا فيها الغزالي في الإحياء، وابن حجر الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر، وابن الجوزي في منهاج الصادقين وهو تهذيب للإحياء، وغيرهم الكثير ممن كتبوا في هذا المجال في الماضي والحاضر.

خطورة أمراض القلوب أنها تحول المصاب بها إلى منافق شيئاً فشيئاً، فيتعلم بسببها الكذب وإظهار ما لا يخفيه، وهو يظن أنه على خير، فالحاسد الذي يحسد غيره على نعمة أو فضل، لا يمكن أن يصرح للناس بأنه حاسد، ولا يمكن أن يعلل انتقاده للمحسود مثلاً بأنه بسبب الحسد وإلا احتقروه، وكذلك من يغار من الآخر أو ما يسمى بغيرة الأقران مثلاً، كالعالم يغار من عالم، أو الطبيب يغار من طبيب مثله، أو الشاعر يغار من شاعر، فإن الغيرة الكامنة في نفسه تحوله تدريجياً إلى منافق، ذلك لأنه لا يصرح بأنه يغار من فلان لأنه أعلم منه، أو لأنه عالج مريضاً لم يستطع هو معالجته، أو لإتحافه الناس بقصيدة عجز هو عنها، بل يحاول أن يظهر غيرته بشكل آخر يرفع من شأنه وينقص من شأن الآخرين، فتجده ينتقد ويظهر الصدق في انتقاده وإخلاصه، أو تراه يقفز بلا مناسبة وكأنه مبرمَج فيقول: وأنا كذلك عالجت مرضى كثيرين من هذا النوع. أو: لقد قلت قصيدة في هذا الموضوع وهي كذا وكذا، ولعل بعضهم يستغل كبر سنه مستصغراً الطرف الآخر، فتجده يردد: كان طفلاً عندما كنت أنا في الدراسة، أو: من هذا؟ ما زلت أذكره يلعب في الشارع، والآن صار عالماً. وغير ذلك من مظاهر الغيرة، والمصيبة المضحكة أن الجميع يدرك من أول وهلة أن صاحبنا يغار والغيرة قد أكلت قلبه، والأحمق يظن أنه صادق فيما أظهره.

إياك أن تتحجج عند الآخرين بكبر سنك لتبدو أفضل منهم، ودع هذا التقدير لهم، وإلا دخلت في قائمة من كبرت أعمارهم وصغرت عقولهم.

ولنأخذ العجب بالنفس مثلاً، عندما يظن أحدهم أنه أتى بما لم يأت به الأوائل، فإنك لا تجده يظهر إعجابه بنفسه أمام الناس ليكون صادقاً معهم ومع نفسه، قائلاً لهم: أنا معجب بنفسي، لا أحد مثلي أنا، أنا وأنا وأنا، لن تراه يتصرف هكذا أبداً، بل تراه يحاول أن يخادع نفسه فيُظهر ما يدل على عجبه بنفسه وهو يظن أن حيلته ستنطلي على الآخرين، فيتحدث عن نفسه كثيراً، أو يتحايل على غيره بطريقة أو بأخرى ليحمله على الحديث عنه ومدحه قائلاً له: أتذكر يا فلان عندما كنا كذا وكذا، فيجره إلى الحديث عن الموضوع لأن له به موقفاً، أو يقارن نفسه بالآخرين ليظهر عجزهم وحقارتهم بجانبه، أو يضحك عندما ينتقد الناس غيره، وقد بلغ علماؤنا الكرام في ضبط النفس واللسان في مثل هذه الحالات أن حرموا الدعاء لشخص فيما إذا كان ظاهره الاستهزاء به أو الإنقاص من قدره، كأن يسأل عالم عن قرينه فلان فيقول: اللهم ارحم حاله، أو غفر الله لنا خطايانا، أو اللهم فقهنا في ديننا وأبعد عنا الجهل والبدع، أو غير ذلك مما يرمي به الإنقاص من قدره. وكما قيل: (لو تأملت أحوال الناس لوجدت أكثرهم عيوباً أكثرهم تعييباً) .

هذه الأدران تصيب كل قلب، وقلمّا ينجو منها أحد إلا الصادقون مع أنفسهم المخلصون لربهم، الذين فهموا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) [رواه مسلم] وقوله عليه الصلاة والسلام: ( … ألا وإن في الجسدِ مُضغَةً إذا صلَحَتْ صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ) [رواه البخاري] .

والأمر في النهاية بين المرء ونفسه، فليجلس كل واحد منا مع نفسه، باحثاً عن أي أثر فيه لمرض من أمراض القلوب، فإذا وجد شيئاً فليبادر إلى العمل الحثيث لإزالته، فيدعو لمن يحسده، ويمدح من يغار منه، ويظهر أخطاء نفسه للآخرين، ولينقب عن كل من يكرههم أو يحقد عليهم أو يغار منهم أو يحسدهم ليبحث فيهم عن فضائل ومكارم ليذكرها لهم، وليقرّ بلسانه أمام الجميع أنه تعلم كذا وكذا من فلان ولو كان أصغر منه سناً وأقل منه علماً وقدراً، ولا يكابر في عدم الاعتراف بالخطأ، وليترك الناس لتثني عليه لا أن يثني هو على نفسه، ثم ليبحث في حياته عن موقف كان جاهلاً فيه، تعلم فيه أمراً من غيره، أو أخطأ في أمر يعرفه من هم أقل منه علماً، وليكن هذا الموقف نصب عينيه على الدوام، وليتعود على أن يتحدث به أمام الآخرين بلا حرج ولا خجل. ولله در من يسرق الناس منه قبلة على رأسه، ومسكين من يحني رأسه للناس كي يقبلوه.

ثم ليدعو الله لكل هؤلاء في السر، ويبدأ بالدعاء لنفسه كي يزيل الله تعالى منه كل أدرانه التي تعشش بين جنبيه، وسيرى النتائج المذهلة، لأن معرفة المرض من أهم أسباب علاجه، والعزيمة والإصرار من أهم أسباب تنفيذ العلاج، والإخلاص في النية عندما نتوجه إلى ربنا نطلب منه تخليصنا من كل هذه الأدران هو دليل صدق على أننا نحارب أنفسنا لئلا نسقط في مستنقع هذه الأدران فتكون المهلكة.

روى ابن عبد البر بسنده عن عبد العزيز بن أبي حازم قال: سمعت أبي يقول: (إن العلماء كانوا فيما مضى من الزمان إذا لقي العالم منهم من هو فوقه في العلم كان يوم غنيمة، وإذا لقي من هو مثله ذاكره، وإذا لقي من هو دونه لم يزهُ عليه، حتى إذا كان هذا الزمان فصار الرجل يعيب من هو فوقه ابتغاء أن ينقطع منه حتى يرى الناس أنه ليس به حاجة إليه، ولا يذاكر من هو مثله، ويزهى على من هو دونه، فهلك الناس) [جامع بيان العلم وفضله وحلية الأولياء] .

نجانا الله وإياكم من أدران القلوب وأمراضها، وجعلنا من الصادقين المخلصين.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.