الخبز الحارّ

عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام قال: (عليكم بالصِّدقِ فإنَّ الصِّدقَ يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنَّةِ، وما يزالُ الرَّجلُ يصدُقُ ويتحرَّى الصِّدقَ حتَّى يُكتبَ عند اللهِ صِدِّيقًا. وإيَّاكم والكذِبَ، فإنَّ الكذِبَ يهدي إلى الفجورِ، وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النَّارِ، وما يزالُ الرَّجلُ يكذِبُ ويتحرَّى الكذِبَ حتَّى يُكتبَ عند اللهِ كذَّابًا) [رواه مسلم وغيره] .

وسئل رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام: يا رسولَ اللهِ، أيكونُ المؤمنُ جبانًا؟ قال: نعم. قيل له: أيكونُ المؤمنُ بخيلًا؟ قال: نعم. قيل له: أيكونُ المؤمنُ كذَّابًا؟ قال: لا. [رواه المنذري بإسناد صحيح مرسل] .

تصوروا أن يتعدى الكذب ببشاعته وخطورته ودناءته الحالة الفردية ليتحول إلى حالة جماعية، وتصوروا أن يتعدى ذلك أيضاً إلى أن توجد مصانع للكذب تصنعه وتخرجه طازجاً للناس بشكل يومي كمصانع الخبز تماماً، وتصوروا أن تسبق هذه المصانع معاهد لتعليم الكذب وتهيئة الكذابين من كل نوع.

ثم تصوروا فوق هذه المصائب كلها، أن يتسابق الناس إلى هذا الخبز -عفواً- إلى هذا الكذب أيهم يأخذه حارّاً أولاً، فيتقاذفونه فيما بينهم متهالكين عليه كالصائمين الذين يقفون على باب المخبز قبل الإفطار بدقائق.

لا تستغربوا، هذا ما نعيشه اليوم، إذ صار ترويج الكذب صناعة وقبل ذلك علماً يدرس، تعطى به الشهادات والتقديرات، ويسمى الكاذب في أكثر الأحيان (الأستاذ) ، هذا إن لم يغلف كذبه بلقب آخر (أرجو مطالعة مقال فقراء متأنّقون) .

هذه هي مصانع الإعلام بكل أنواعه، تكذب وتعلم الكذب وتروج الأكاذيب، إذا أرادوا أن يروجوا لقضية اشتغلت عليها كل الوسائل والطاقات لتجعلها حقيقة وهي أكذوبة من الأكاذيب، وإذا ما أرادوا أن يشوهوا صورة شخص فما هي إلا مصانعهم تشتغل وتنتج الأكاذيب حوله، وانظر إلى ما شئت من أنواع الإعلام وخاصة ما يسمى الإعلام الرسمي.

يصافح الأول الثاني ثم يطلب المصورون منهم أن يفعلوها ثانية للتصوير فيفعلونها ثانية وثالثة وما هي إلا أكاذيب في أكاذيب، ولو كان أحدهما صادقاً لرفض لأنه خداع للناس.

يتكلم مقدم البرامج الاجتماعية مثلاً، ويصلح ويعالج ويعطي انطباعاً للجميع أنه مصلح اجتماعي، وفي الحقيقة ما هو إلا مردد لكلام يقرؤه من شاشة خاصة.

يخرج القائد الملهم بصوته للناس ويلقي كلمة مقروءة، ولكنه يشعرهم أنه يقولها مرتجلاً فيقع في الكذب عليهم وهو يعمل على قيادتهم.

يتعرضون للناس في الشوارع والأسواق بالكذب الواضح عليهم، ثم يقولون لهم: معكم الكاميرا الخفية، ويضحك الجميع وكأنه لم يحصل شيء.

إشاعة تُصنع بحماقة، يتلقفها الناس في التويتر والواتساب وغيرها يروجونها وكأنها يقين، ولو فكر الواحد منهم فيها ملياً لأدرك كذب صانعها.

بل وصل الأمر إلى أحاديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، إذ صار الجميع يتناولون الضعيف منها والموضوع، وما ليس بحديث أصلاً، يروجونه بكل أساليب التواصل على أنه حديث ومنهم من يبني عليه أحكاماً.

وغلبة الظن في هذه الأيام عند الجميع هي عدم التحري والتثبت، ولذلك فإن جلّ ما يروى فيه نظر من حيث سنده ومتنه -ويحتاج إلى السؤال والتثبت قبل نشره- ناهيك عن النقل الغير دقيق والعشوائي للأحاديث، إذ تؤخذ من النت بلا علم ولا تثبت، أو ينشر أحدهم رواية مكذوبة فيها ملمح جميل للنفس أو للعقل، فيتناولها الجميع قراءة وتوزيعاً، ومنها روايات تسيء إلى الدين أيما إساءة وتفتح أبواباً لمثيري الشبهات والشكوك وما أكثرهم هذه الأيام، روى مسلم في مقدمة صحيحه عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام: (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) .

وقال عليه الصلاة والسلام: (.. ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) [رواه البخاري ومسلم] وقال النووي في شرحه: (لا فرق في تحريم الكذب عليه صلى الله تعالى عليه وسلم بين ما كان في الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع خلافاً للكرّامية الطائفة المبتدعة في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب وتابعهم على هذا كثيرون من الجهلة الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد أو ينسبهم جهلة مثلهم)

وقال رحمه الله: (يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعاً، أو غلب على ظنه وضعه فمن روى حديثاً علم أو ظن وضعه ولم يبين حال روايته ووضعه فهو داخل في هذا الوعيد، مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله عليه الصلاة والسلام ويدل عليه أيضاً الحديث السابق: من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ولهذا قال العلماء: ينبغي لمن أراد رواية حديث أو ذكره أن ينظر فإن كان صحيحاً أو حسناً قال قال رسول الله عليه الصلاة والسلام كذا، أو فعله، أو نحو ذلك من صيغ الجزم، وإن كان ضعيفاً فلا يقل: قال أو فعل أو أمر أو نهى وشبه ذلك من صيغ الجزم بل يقول: رُوي عنه كذا، أو جاء عنه كذا، أو يروى أو يُذكر أو يُحكى أو يُقال أو بلغنا وما أشبهه) وقال: (قال العلماء: وينبغي لقارئ الحديث أن يعرف من النحو واللغة وأسماء الرجال ما يسلم به من قوله ما لم يقل) .

والكذب على آحاد الناس وعوامهم حرام فكيف على رسول الله عليه وآله أفضل الصلاة والسلام؟

لقد جعلوا من الكذب حالة طبيعية تهيمن على حياتنا، وجعلوا من تقبل الكذب لباقة، والرد عليه وقاحة، لأنهم أدركوا من قبل أن أمة تعيش الكذب وتقتات منه، سهل جداً أن تتقبله في كل شيء، في دينها، أحداثها، تاريخها، سياستها، مستقبلها.

والدليل كل هؤلاء الناس الذين يصدقون كل شيء ويدافعون عن أي شيء، ويروي أحدهم الكذبة وكأنها حصلت له أو معه.

ليتنا نتعلم الصدق، ونعرف كيف نحارب الكذب، لئلا نكون ضحايا لكل هذه المصانع التي تروج بضاعتها فينا. ليتنا نتحدث بربع ما نسمع أو أقل أو لا نتحدث مطلقاً إن كنا سنأتي بالمصائب، فرب ساكت أفضل من ألف متكلم، وقد جاء في الحديث: (كفى بالمرءِ كذبًا أنْ يحدِّثَ بكلِّ ما سمِعَ) [الدارقطني ومسلم في مقدمته] . وجاء في تاريخ أبي زرعة عن الإمام مالك قوله: (اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجَلٌ حَدَّثَ بِكُلّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) .

انتشار الكذب في المجتمع انتشار للنفاق لأنه من أسوأ خصال المنافق، والتعامل مع الكذاب مستحيل لأنك لا تعرف إن كان يعاملك بظاهره أم بباطنه، فتحتار في أمره ولذلك تنعدم الثقة فيه مهما أقسم واستشهد.

عن أبي مَرْوَانَ الْبَزَّازُ قَالَ: جَاءَنَا سَالِمٌ يَطْلُبُ ثَوْبًا سُبَاعِيًّا، فَنَشَرْتُ عَلَيْهِ ثَوْبًا سُبَاعِيًا، فَذَرَعَهُ، فَإِذَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ سُبَاعِيٍّ فَقَالَ: أَلَيْسَ قُلْتُ سُبَاعِيٍّ؟ قُلْتُ: كَذَلِكَ نُسَمِّيهَا. قَالَ: كَذَلِكَ يَكُونُ الْكَذِبُ. [رواه ابن عساكر في تاريخه وابن أبي الدنيا في الصمت، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر] .

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.