الهروب خير علاج

الشهرة شيء وحب الشهرة شيء آخر، وحديثنا ليس عن الشهرة لأنها قد تحصل ولو لم يُحرص عليها أو يُسعي وراءها، وقد يشتهر إنسان بين الناس وهو كاره، وهذا أمر طبيعي.

أما حب الشهرة أو الحرص عليها، فهو الداء العضال الذي أودى بالكثيرين للتنازل عن آرائهم من أجل: حب الشهرة، والوصول إليها، والمحافظة عليها.

والناس تتأثر بكل ما هو مشهور، وهذا أمر فطري في الإنسان، أنه يحب كل ما يلفته ويشعره بالعجز، والأغلبية أو الأكثرية لها تأثير كبير في ذلك، فهذا يتبع فلاناً في التويتر لا لأنه متميز في طرحه، ولكن لأن عدد متبعيه يفوق المائة ألف، وهذا يدخل السوق فيرى تجمعاً على دكان فيذهب ليشتري منه لا لأن بضاعته جيدة ولكن لأن الناس تتجمهر عليه لتشتري منه، وهكذا، وكل ذلك نتيجة المقولة السخيفة الدارجة: (لو لم يكن جيداً لما تهافت عليه الناس) ، ولذلك فإن اللعب على الجماهير في موضوع الشهرة سهل جداً، وقد وصل الحال ببعض الناس أن يلفت نظره كل وجه يعتبره مألوفاً، فمن دخل مجلساً أو سوقاً ورأى فيه وجهاً مألوفاً يظهر في التلفزيون مثلاً فإنه يبادره بالسلام ليتعرف عليه وربما ليتحدث معه وهو لا يعرف ماهيته ما إن كان مذيعاً أو ممثلاً أو لاعباً أو من سقط الناس.

وهذا التأثر يغلب التفكير الصادق في أكثر الأحيان ويؤدي إلى النتائج المهلكة، لأن الشهرة فيه تعمي العين عن الرؤية الحقيقية فلا ترى إلا الشهرة وما يشع منها.

انظر إلى قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [الزخرف: 30-32] فشهرة الرجلين الوليد بن المغيرة في مكة وعروة بن مسعود الثقفي في الطائف (وقيل عمير بن عبد ياليل الثقفي من الطائف، وعتبة بن ربيعة من مكة) صرفت الأنظار عما جاء به الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ما إن كان حقاً أو باطلاً إلى أن الله لو أراد أن ينزل شيئاً لأنزله على هذين الرجلين، وكان الوليد يقول: (لَوْ كَانَ مَا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَزَلَ عَلَيَّ أَوْ عَلَى أَبِي مَسْعُودٍ) يعني عروة.

والأصل أن يتجردوا من تأثرهم بغيرهم وينظروا فيما جاء به هذا الرسول، ويتفكروا به فإن كان حقاً اتبعوه وإلا فلا، لا أن يجعلوا المقياس في القبول والرفض هو (لو) .

أما محبو الشهرة فما أكثرهم، وكم يدفعون من المال والجهد، ويبذلون الغالي والنفيس من أجل الشهرة قاعدتهم في ذلك المثل الدارج: (الصيت ولا الغنى) . تجد الواحد فيهم يحرص على أن يدس أنفه في كل ما يجلب له الاشتهار بين الناس ولو كان دنيئاً ولو كان منحطاً، وإذا ما نظروا في الصور المنشورة في الجرائد وغيرها فإن أول ما يبحثون عنه صورهم هم، وإن لم يجدوا منها شيئاً غضبوا وضجوا، هؤلاء إن كانوا من أهل الدين، فإنهم يحرقون كل ما يقدمونه بحبهم هذا للشهرة وسعيهم الحثيث ورائها.

جاء في صحيح مسلم ومسند أحمد: (أن عمر بن سعد انطلق إلى أبيه سعد وهو في غنم له خارجاً عن المدينة، فلما رآه قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فلما أتاه قال: يا أبت أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره وقال: اسكت، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إن الله يحب العبد التقى الغنى الخفي) .

وعن أبي أمامة فيما رواه الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (إنَّ أغبطَ أوليائي عندي لمؤمنٌ خفيفُ الحاذِ ذو حظٍّ من الصلاة أحسنَ عبادةَ ربه وأطاعه في السرِّ وكان غامضًا في الناسِ لا يشار إليه بالأصابعِ وكان رزقُه كفافًا فصبر على ذلك ثم نقر بإصبعَيه فقال عُجِّلت منيتُه، قلَّتْ بواكيهِ، قلَّ تراثُه) وعن ابن عمر فيما رواه المنذري بسند حسن أن رسول الله عليه وآله أفضل الصلاة والسلام قال: (من لبس ثوبَ شُهرةٍ في الدُّنيا ألبسه اللهُ ثوبَ مَذلَّةٍ يومَ القيامةِ ثمَّ ألهب فيه نارًا) [خفيف الحاذ: خفيف الحال والمال] .

يقول أبو حامد الغزالي في الإحياء: (اعلم أصلحك الله أن أصل الجاه هو انتشار الصيت والاشتهار وهو مذموم، بل المحمود الخمول إلا من شهره الله لنشر دينه من غير تكلف طلب الشهرة منه قال الله تعالى (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فساداً) جمع بين إرادة الفساد والعلو في الأرض وبين أن الدار الآخرة للخالي عن الإرادتين جميعاً، وقال عز وجل (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) وهذا أيضاً متناول بعمومه لحب الجاه فإنه أعظم لذة من لذات الحياة الدنيا وأكثر زينة من زينتها وفي الحديث حسب امرئ من الشر أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه إلا من عصمه الله إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) .

وكان سفيان الثوري يقول: هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخاملين فكيف بالمشهورين هذا زمان ينتقل فيه الرجل من قرية إلى قرية يفر بدينه من الفتن. ويحكى عنه أنه قال: والله ما أدري أي البلاد أسكن فقيل له الشام؟ فقال: يشار إليكم بالأصابع أراد الشهرة. [التذكرة للقرطبي]

وجاء في منهاج القاصدين: (اعلم: أن أصل الجاه هو حب انتشار الصيت والاشتهار، وذلك خطر عظيم، والسلامة في الخمول. وأهل الخير لم يقصدوا الشهرة، ولم يتعرضوا لها ولا لأسبابها، فإن وقعت من قبل الله تعالى، فروا عنها، وكانوا يؤثرون الخمول، كما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه خرج من منزله، فتبعه جماعة، فالتفت إليهم وقال: علام تتبعونى؟ فوالله لو علمتم ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان. وفى لفظ آخر أنه قال: ارجعوا، فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.

وقال بشر الحافي: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب في الدنيا أن يعرفه الناس.

وكان ابن مسعود رضى الله عنه يوصى أصحابه، فيقول: كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في السماء، وتخفون على أهل الأرض)

وما أجمل الحكمة العطائية:

(ادْفِنْ وجودَك في أرضِ الخمولِ فما نَبَتَ مما لم يُدْفَنْ لا يَتِمُّ نَتَاجُه)

فمن يحب الشهرة علاجه أن يهرب منها، لأنها وإن أتته وهو راغم فإنها لن تفلته إلا وهو مفتون، الحذر الحذر، وإن وجدت في نفسك حباً لها، فهو إنذار لك لتهرب منها.

وأما من اشتهر بلا ذنب منه، وليس فيه حب الشهرة فإن الذي يعصمه، أن يعتذر عن خطئه أمام العامة دون أي تردد، يذكر أن الشعبي أخطأ أمام تلاميذه فبين له أحدهم خطأه، فوضع خده على الأرض وقال اللهم اشهد أني أخطأت وأصاب تلميذي فلان.

وعليه أن يضع نصب عينيه بشكل دائم جهله وضعفه وصغره أمام الآخرين، وأن يتذكر على الدوام من هم أفضل منه حالاً وأكبر قدراً وأكثر علماً.

وعليه أن يكسر حدة الشهرة في نفوس الناس الذين يتبعونه أو يلاحقونه، وذلك بتنفيرهم من الاتباع عند الغاوين وخطورته، وأن الاتباع يكون بالدليل والفهم، لأن كلام العالم يستدل له لا يستدل به.

وما أجمل في الختام أن ننظر في سيرة سيد البشر عليه الصلاة والسلام الخالد في هذه الحياة الدنيا، والذي لم ولن يصل إلى شهرته أحد، لنتعلم منه كل ما ينفعنا في حياتنا ويبعدنا عن الافتتان بأنفسنا وبغيرنا.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.