ذلة للتابع، فتنة للمتبوع

عندما يجلس الشيخ ليفسر كتاب الله تعالى، ويقف عند قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة: 186] ويقول: ولم يأت في الآية قل إني قريب، لأنه لا واسطة بين الله وخلقه، حتى ولو كانت هذه الواسطة محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام، هنا يكبر الناس ويهللون وقد تنهمر دموعهم إعجاباً بهذا التفسير الجميل لهذه الآية التي جاء فيها (وإذا سألك) ولم يأت فيها (قل) .

هذه حالة، والحالة الثانية عندما يجلس الشيخ نفسه ويذكر هذا التفسير بين مجموعة من العلماء، ماذا ستكون ردة فعلهم؟ من الطبيعي أنها ستكون عادية جداً لأنهم يعرفون هذا التفسير وربما عندهم من العلم ما يفوق علم شيخنا المفسر.

عندما يجلس طبيب إلى مجموعة من الناس يتحدث في أمر طبي، وكيف يتعامل معه كطبيب، ينبهر الناس بكلامه وتشرئب الأعناق إليه، ولكن، لو قال هذا الطبيب الكلام نفسه في مجموعة من الأطباء ماذا سيحصل؟ لن ينبهروا به، بل قد يردون عليه ويخطئونه.

إننا بجهلنا رفعنا هذا فوق أكتافنا، واتبعنا ذاك في ديننا، حتى تكاثروا من حولنا بلقاح العجز والجهل.

عندما يوجد الانبهار في أي واحد منا عليه أن يراجع نفسه، ليدرك أن الانبهار هو العجز، لا فرق بينه وبين العجز، انبهاري بك هو عجزي أن أكون مثلك. وهو لا يمنعني من التعلم منك ولكن دون انبهار، لأن الضوء الباهر يمنع العين من رؤية أي شيء إلا هو، والذي يبهر الناس يسلط عليهم ضوءاً يسطع على عيونهم فلا يرون غيره.

وكلما كثر الانبهار في مجتمع كلما دلّ هذا على انحطاطه وتخلفه، ولذلك فهو ظاهرة مرضية لا تنبئ بخير.

وقد يقول قائل إن وجود الانبهار يدل على وجود من انبهر بهم الناس من علماء وعباقرة وعمالقة.

والرد عليه: إن هذا يعتمد على واقع الناس، والحقيقة التي يجب علينا أن ندركها هي:

الحكم بعلم شخص لا قيمة له إلا إذا كان الحاكم أعلم منه، والحكم بجهله له كل القيمة ولو كان الحاكم أجهل منه.

من الطبيعي أن يقول الجاهل عمن يفوقه بالعلم ولو بقليل: إنه عالم، وهنا لا قيمة لحكم الجاهل، لأنه جاهل.

أرأيت لو أن جاهلاً بعلم الحديث يقول لك عن شخص إنه عالم بالمصطلح وبالجرح والتعديل وغيرها من علوم الحديث، هل لقوله قيمة؟ طبعاً لا.

والمشكلة في هذه النقطة أنه بدأ يخرج علينا من ينبهر بهم الناس لا لعلمهم ولا لعبقرياتهم ولكن لأن الناس حكموا لهم بالعلم وانبهروا بهم، وطبعاً كلما كثر العلماء والعباقرة في المجتمع كلما قلّ الجهلة المتصدرون، وبالتالي قل عدد المنبهرين.

وقد يقول قائل: أنا أعترف بجهلي في علم ما، كالطب أو أصول الفقه، ومن الطبيعي أن أنبهر بمن هو أعلم مني.

ونقول: صحيح، ليس مطلوباً من عامة الناس أن يكونوا عمالقة وعباقرة وعلماء، ولكن في نفس الوقت ليس مطلوباً منهم أن ينبهروا لأنهم جهلة، انبهار الجاهل بالعالم يختلف عن انبهار العالم بالعالم إذا صح لنا أن نسميه انبهاراً وليس تقديراً أو معرفة وزن، وهنا الفرق، فانبهاري بأبي حنيفة ليس كانبهار زفر به رحمهم الله جميعاً، لأن جهلي هو الذي جرني لهذا الانبهار وبالتالي سيجرني لما هو أخطر منه، أما زفر فإن عنده من العلم ما يمنعه من الوقوع فيما وقعت أنا فيه.

ومثال أبي حنيفة يفتح لنا باباً جميلاً وهو أن زمانهم كان زمان علماء، فالأقران كثيرون في العلم الواحد وفي العلوم المختلفة، ولذلك فإذا برز بينهم من يشار إليه بالبنان فهذا ولا شك أهل لأن يتصدر، وأهل لأن يتبعه الناس. ولذلك برز الأئمة العظام الذين يسترشد الناس بآرائهم ويأخذون منهم أحكام دينهم.

أما زماننا هذا فالبروز فيه كاذب مصطنع، توجده الأموال من عدم، ويربيه في نفوس الناس إعلام مضلل، ولذلك فهم في ازدياد ولكنهم كزبد البحر.

والانبهار بأصحاب العلوم التجريبية أقل هوناً وأضعف خطراً من الانبهار بأصحاب الفكر، ذلك أن أصحاب العلوم التجريبية كالطبيب والمهندس وغيرهم لا يحتاج الانبهار بهم إلى كثير علم، لأن للتجربة دوراً في التعامل معهم، وقد يكون المرء جاهلاً ولكنه لا يذهب إلى الطبيب فلان لأنه مجرب من قبل.

أما الفكر فالأمر فيه أخطر وأنكى، لأن الجهل فيه يدفع صاحبه للأخذ من هذا وذاك، ولأنه ليس لديه من الضوابط ما يزن به ما يأخذه.

ضع الجهل على الحاجة للتعلم، وأضف إليهما ضغط الواقع مع شيء من التأثر بالأكثرية، كل هذه لو أضفتها إلى بعضها ستخرج بخليط من نفسية مندفعة تحرك سلوك الناس في كثير من الأحيان باتجاهات خاطئة، فيصفقون لهذا وهم لا يدرون ماذا قال، ويتبعون هذا لمجرد أن الآخرين اتبعوه، ويستفتون هذا في الحج لأنه أشفى غليلهم في الرد على الملاحدة مثلاً.

وفي النهاية تصدر هؤلاء وقادوا المجتمع وتحكموا في أفكار الناس ومشاعرهم، ولكن إلى مزيد من الانحطاط والتخلف والابتعاد عن الدين.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.