الحمد لله رب العالمين

(الحمد) في كلام العرب هو الثناء الكامل، ومنه الثناء على الجميل من النعم وغيرها، مع محبة وإجلال للمحمود، ولا يكون إلا للحي العاقل، ولا يكون إلا بالثناء باللسان، أما المدح فيكون للحي ولغير الحي، وللعاقل ولغير العاقل فأنت تمدح الحيوان وتمدح اللؤلؤ ولكن لا تحمده.

والحمد يكون لمن يستحق الحمد أما المدح فقد يكون لمن لا يستحقه، فمن يمدح غنياً ليحصل على مكافأة منه فإنه لا يشترط فيه أن يحب الممدوح ولا أن يكون الممدوح أهلاً للمدح، أما الحمد فلا يكون إلا عن محبة للمحمود، وأن يكون المحمود أهلاً لهذا الحمد.

ومحمد اشتقت من الحمد فهو الذي كثرت خصائله المحمودة، وأحمد هو من يقوم بأفعال محمودة.

فالحمد إذن خلاف الذم، ويكون على فائدة أو نعمة من المحمود عليك أو على غيرك، فهو ثناء على من يستحق الحمد وإن لم يصلك منه شيء، ويكون على النعمة أو على الصفات الخاصة بالمحمود، وفيه محبة للمحمود وإجلال، ويكون باللسان دون غيره.

أما الشكر فلا يكون إلا على النعمة والعطاء، ويكون بالقلب واللسان والجوارح، وليس فيه معنى المحبة والإجلال، ولا يكون إلا على النعمة الواصلة إليك، قال الشاعر:

إذا لم يوف حقك جهد شكري ،،،،،،، فعجزي عن أداء الحق شكر

فهو يعتبر عجزه عن رد الشكر هو شكر بحد ذاته.

وجاءت كلمة الحمد بأل التعريف وهي للاستغراق، وتعني استغراق المعرف بها كل معانيه، فتشمل صفات الجنس، وعلامتها أن تحذف وتضع بدلها (كل) فإن صلحت كانت للاستغراق، فمثلاً: (وخلق الإنسان ضعيفاً) [النساء: من 4] فلو طبقنا القاعدة لصارت وخلق (كل) إنسان ضعيفاً، ولها أنواع أخرى لسنا بصددها.

ومعناها أن التعريف فيها قد استغرق كل أنواع الحمد والثناء لله تعالى، أي كل حمد لله تعالى.

واللام حرف جر يفيد التصاق ما قبله بما بعده لمعنى وضع له، وهي هنا للاختصاص أي جعل الحمد لله تعالى أي مختصاً بالله تعالى.

وجاءت الحمد لله بصفة التقرير، ولم تأت (أحمد الله) أو (نحمد الله) أو (حمداً لله) فكلها لا تفيد الحمد المطلق لله تعالى، لأن الحمد لله تقرر الحمد لله من الجميع، وليس من المتكلم فقط، وتفيد تقرير أن الحمد لله تعالى أي أنه هو أهل الحمد جل وعلا.

والحمد لله تختلف عن الحمد للخالق، أو الحمد للمجيب أو الرازق، لأن الحمد في هذه الحالات يوحي بالحمد للخالق لأنه خلق، أو الحمد للمجيب لأنه أجاب أو رزق، ولكنها جاءت (الحمد لله) لتشمل كل أنواع الثناء على الله تعالى فهي حمد لله تعالى كثناء عليه جل وعلا وهي حمد لله تعالى على نعمه التي لا تعد ولا تحصى.

أما كون الحمد لله رب العالمين، وتكرار هذه الجملة من المسلم على مدار الساعة في اليوم الواحد فإن لها معنى عظيماً لا بد من الوقوف عليه.

قلنا أن الحمد ثناء من العابد على المعبود، ثناء مطلق، وليس شكراً معيناً على نعمة معينة، وقلنا أيضاً أن الحمد يكون باللسان وذلك بخلاف الشكر الذي يكون باللسان والجوارح، ومن الناحية العملية قد يتصور المرء أن الحمد أسهل بكثير من الشكر، لأنه باللسان (الحمد لله) ينطق بها اللسان فيحصل الحمد، هكذا بدون أي تكلف.

ولكن الأمر ليس كذلك، لأن الحمد ليس قولاً لسانياً فحسب، ولا يوجد في الإسلام من الأذكار والأدعية والثناء على المولى عز وجل ما هو لساني محض (فهذا عند المنافقين) ، بل كل ذلك ينم عن اعتقاد جازم انعقد عليه القلب فصدقته الجوارح ومنها اللسان.

فالاعتقاد بوجود الله تعالى والإيمان به، والاعتقاد بعظمته وقدرته وربوبيته، كل هذا يحقق في نفس المؤمن المعنى الحقيقي للحمد، لأنه يدرك أن الحمد لا يكون إلا لهذا الخالق العظيم جلّ وعلا.

ولذلك فإن المؤمن عندما يقول (الحمد لله) فإنه يعلم في قرارة نفسه لمن يقولها وما هي صفات هذا الخالق المتصف بالثناء الذي يستحق هذا الحمد على الدوام.

حصلت حادثة في أواخر ستينات القرن الماضي، فيها حكمة جميلة، ذلك أن امرأة وزوجها ذهبا للسياحة في إحدى بلاد المسلمين، وحصلت لهم حادثة تصادم مروعة أدخلت على إثرها الزوجة إلى المستشفى وهي في حالة خطرة، وكانت لها ابنة في بلدها الأصلي لم تسافر مع والديها، واتصلت الابنة بوالدتها لتطمئن عليها، فقالت لها: كيف حالك يا أمي؟ فأجابت الأم: بخير والحمد لله رب العالمين. فقالت لها الفتاة: ماذا قال الأطباء؟ فأجابت الأم: يقولون أن عندي كسر في الظهر ولن أستطيع المشي، ويقولون أن عندي كذا وكذا. وبدأت تعدد ما ذكره الأطباء لها من إصابات خطيرة. ثم قالت: ولكني بخير والحمد لله رب العالمين. فبكت الفتاة، فقالت لها أمها: لم تبكين يا ابنتي، أنا بخير والحمد لله فلا تبكين. وبدأت الفتاة تردد قول والدتها لصديقاتها وأهلها وتقول: لقد أصاب أمي الجنون من الحادثة، فيها كل هذا الأمراض الخطيرة والشلل وغير ذلك وتقول الحمد لله، لقد جُنت أمي، تقول الحمد لله وهي لا تستطيع الحركة إلا بلسانها. واشتهرت القصة في ذلك البلد وصدق البعض أن الأم قد جُنت، ولكن من يعرفون معنى (الحمد لله) لم يصدقوا، بل قالوا: الحمد لله، الأم عاقلة ولكن الفتاة هي التي جُنت من إصابة والدتها ومن عدم تصورها لمعنى الحمد لله تعالى.

ولذلك قيل (الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه) ، وهو قول حق فمن ذا يحمد محموداً على مكروه جاءه منه إلا أن يكون المحمود هو الله تعالى، لأن ما يأتي منه هو خير وإن كان مكروهاً عند الإنسان، لأن المؤمن يدرك أن كل ما يصيبه من الله تعالى هو خير له، ولذلك فإنه يترجم هذا الإدراك بالحمد الدائم لله تعالى.

عن صهيب رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمرِ المؤمنِ. إن أمرَه كلَّه خيرٌ. وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمنِ. إن أصابته سراءُ شكرَ. فكان خيرًا له. وإن أصابته ضراءُ صبر. فكان خيرًا له) [مسلم]

وارتباط الحمد في الآية برب العالمين ارتباط عجيب، فإن الربّ تدل على إصلاح الشيءِ والقيامُ عليه. فالرّبُّ: المالكُ، والخالقُ، والصَّاحب. والرّبُّ: المُصْلِح للشّيء. يقال رَبَّ فلانٌ ضَيعتَه، إذا قام على إصلاحها.

ولذلك فإن المؤمن عندما يربط الحمد برب العالمين فإنه يربطه بمن أوجده في هذه الحياة ويقوم على إصلاحه برزقه وعافيته ومنهجه القويم الذي أعطاه له ليسير عليه في حياته، فالرب جلّ وعلا هو الذي تكفل بكل ما يخص حياة هذا الإنسان من بدء خلقه في حياته الدنيا إلى حياته الآخرة.

الحمد لله رب العالمين

الحمد لك يا الله، نقولها ونحن نؤمن بك ونتوكل عليك ونستقبل كل ما يأتينا منك برضا نفس، واطمئنان قلب، وراحة سريرة، فأنت ربنا، خلقتنا وتكفلت بأرزاقنا، وضمنت لنا حياة كريمة وفق منهجك الذي أنزلته علينا، وتكرمت علينا بأن وهبتنا الخلود الأبدي في الآخرة، وكل ما تصيبنا به هو في صالحنا النافع منه أو الضار، فإن وهبت الولد فقد تكرمت وإن أخذت الولد فقد تكرمت، ولعل أخذك للولد من أحضاننا خير لنا من وهبك لنا إياه.

عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: مَنِ المُتَكَلِّمُ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ) [البخاري وغيره]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.