العلمانية، وظيفة العقل الحقيقية

لن أخوض في تعريف العلمانية خوضاً أكاديمياً، لأن هذا ليس مجاله، ولكن سأتطرق فقط إلى تعريفها المتداول عند الجميع.

فهي باختصار (اللادينية) وليس كما يظن بعض جهلة العلمانيين أو بعض العوام أنها جاءت من العلم، إذ يُلبس البعض بين كلمتين (Secularism) و (Scientific) لوصف العلمانية بالعلم ليزرعوا في النفوس العداء الذي اصطنعوه بين الدين والعلم، وأن أصحابها هم أصحاب المنهج العلمي ومن ضدهم هم أصحاب الأساطير والخرافات، بينما الأمر غير ذلك فالكلمة الأولى هي اللادينية وقد ذكرت في قاموس أكسفورد الشهير بأنها (Not connected with religious or spiritual matters) وهي اللادينية أو اللاروحية، ويطلق عليها كذلك ما يوافق معناها كما ذكره صاحب المورد بأنها الدنيوية، أما الكلمة الثانية فهي العلمية أو علمي، ولن تجد قاموساً غربياً يعرّف العلمانية بالعلم وإنما الكل متفق على أنها اللادينية.

لم تكن العلمانية فكرة مستنيرة رائدة، بل كانت ردة فعل منحطة على التسلط الديني في القرون الوسطى في أوروبا، وهذا شأن كل فكر إنساني محض جاء من ابتداع الإنسان لمعالجة الحياة الإنسانية، ذلك أن الإنسان أثبت فشله على مر العصور في التوصل إلى منهج يعالج فيه مشاكله الإنسانية وعلاقاته مع نفسه أو مع غيره أو مع خالقه -إن كان يؤمن بوجود خالق- وهذا الفشل لم يتمثل في طبيعة المعالجات الإنسانية العملية فحسب، بل إن أصله يكمن في عدم قدرة هذا الفكر على إيجاد التوافق بين باطن الإنسان وظاهره، بين ما يجيش في نفسه من تفكير وتساؤل، وما يعتريه من غرائز وحاجات، وبين الواقع الخارجي الذي يعيشه.

إن قدرة العقل الإنساني على الإبداع تكمن فيما يكتشفه من القوانين العلمية أو أسرار الخلْق كما يحلو لي أن أسميها، وهذه القدرة ليست قدرة إيجاد من عدم فهي ليست قدرة خلْق، بل هي قدرة اكتشاف وربط، وذلك بالمنهج العلمي الذي لا يخرج عن كونه من الفكر أي من نتاج العقل.

طبيعة المادة وكل ما يتعلق بها في علاقتها بغيرها من المواد أمر خلْقي يختص بالمادة، والإنسان لم يوجده فيها ولم يدّع أحد ذلك أصلاً، كل ما في الأمر أنها خصائص مدفونة وعلى الإنسان أن يستخرجها ويكتشفها ليعرف كيف يستفيد منها إن في الخير أو في الشر.

ولنضرب مثلاً على ذلك، لو فرضنا أن زيداً يصنع قهوة متميزة لها طعم فريد، ولا يستطيع أحد أن يصنع مثلها، وقام زيد هذا بكتابة خلطة القهوة ووضعها في مكان آمن، ثم جاء عمرو ليبحث عن هذه الخلطة فوجدها، وقام بصنع نفس القهوة بنفس النكهة، نستطيع أن نقول أن عمراً لم يبدع الخلطة وإنما اكتشفها فاستطاع أن يصنع القهوة المتميزة، وهكذا المادة مع الفارق في عملية الخلْق، فالمادة فيها من الخصائص ما يمكن الاستفادة منها بمزجها مع مادة أخرى، وهنا لا عمل للعقل الإنساني الذي توصل إلى هذه العلاقة ونتائجها في إيجاد الخصائص، بل يقتصر عمله على الاكتشاف ثم الاستفادة، ولا يزعم أحد أنه خلق الهيدروجين والأوكسجين، ولكنه عرف من خلال منهجه العلمي في كل منهما أن ذرتين من الهيدروجين مع ذرة من الأوكسجين يكوّنون الماء، فعرف أن الماء هو (H2O) ، والماء بطبيعته يغلي عند درجة 100 سيليزي وهذه خاصية له لم يوجدها الإنسان فيه لأنه لا يستطيع سلبه إياها أصلاً، ولكنه بالتجربة عرف أن الماء إذا وضع تحت ضغط معين ترتفع درجة غليانه إلى 120 سيليزي، وهذه خاصية أخرى للماء.

مهمة العقل الإنساني أن يكتشف القانون المتعلق بالمادة ليستطيع التعامل معه والاستفادة منه، ولذلك لا نبالغ كثيراً في موضوع التحنيط عند الفراعنة مثلاً وكأنهم هم الذين خلقوه وأوجدوا خصائص مواده المستخدمة فيه، بل إن كل ما عملوه أنهم اكتشفوا خصائص مواده وجمعوها بشكل معين فخرجوا بالتحنيط، ولو استكملنا نحن اليوم اكتشاف جميع تلك المواد -حسب علمي- لاستطعنا أن نحنط مثلهم وربما أحسن منهم.

مهمة العقل الإنساني أن يبحث عن الأسرار المدفونة فيستخرجها ليستفيد من القوانين الخاصة بها، وبهذا يحصل التطور الحقيقي للحياة البشرية، التطور التقني، التطور في وسائل العيش وأشكال الحياة المادية: الصناعة، البناء، السلاح، السكن، الزراعة، التنمية الغذائية وغيرها، وهذا الذي يفسر لنا سر هذا التصاعد في التطور العلمي الذي نعيشه ونراه بشكل متسارع، لأن اكتشاف قانون واحد فيه تطور واحد، واكتشاف آلاف القوانين فيه آلاف التطورات، وهذا أمر طبيعي بل هو الذي يجب أن يكون ولا يملك أحد منعه، فهو من سنن الله في خلقه.

لقد خلق الله الأشياء كلها ووضع فيها من الخصائص ما يسهل على الإنسان الاستفادة منها حسب وجهة نظره في الحياة أي في الخير أو في الشر، وهذه الخصائص من خلق الله تعالى فلا يملك الإنسان وضعها في المادة ولا سلبها منها، فهو يعرف أن الخشب يطفو على الماء ولكنه لا يملك أن يجعل الحديد يطفو على الماء، وهكذا كل ما يتعلق بالمادة.

ومهمة العقل هذه مطلوبة في الحياة لأن وجود القانون والخاصية يفتح على العقل في الاكتشاف ويستنطق طاقته للربط بين هذه القوانين التي لا تتخلف -إلا بتدخل خالقها- والاستفادة منها في الحياة البشرية، فيبدع الإنسان في وسائل حياته المادية أيما إبداع، ولذلك لا تستغرب أن ترى مجتمعاً منحطاً فكرياً ولكنه متقدم صناعياً أو فنياً أو تقنياً، فهذا أمر طبيعي ولا يدل بأي حال على وجود الارتقاء الفكري أو النهضة.

هذه مسألة مهمة جداً لا بد للعقل الإنساني أن يعيها، لأن تصور الإنسان أنه هو الذي يوجد وهو الذي يبدع -بمعنى الإبداع المرفوض- تصور خطير يضع العقل في مكانة لا يملك ملأها، ويجعله يتحمل ما لا يطيقه في منهجه في التفكير، فيظن أن قدرته على اكتشاف القوانين المادية والتعامل بها تؤهله للخوض في المعالجات والعلاقات الإنسانية وبالتالي إعطاء المناهج الفكرية التي تنظم الحياة وتحدد وجهتها، وقد وقع العقل الإنساني على مر العصور في هذا المنزلق الخطير، فخرجت مناهج حياتية للبشر أودت بهم إلى منتهى الانحطاط والتدني، ولذلك لا نستغرب أن نرى تاريخ الحياة البشرية يسير في خطين متضادين: خط تصاعدي وخط تنازلي، خط تصاعدي في العلم والتقنيات والتطور في الأشكال المادية للحياة، وخط تنازلي في الانحطاط بالمجتمعات البشرية، والتدني الأخلاقي، والطبقية، والبهيمية، وسيطرة القوي على الضعيف، والظلم بشتى أنواعه.

وآفة الخط التنازلي هذا أن العقل تدخل فوضع يده في التنظير والمعالجة في الحياة الإنسانية التي لا يمكن أن تسير بطريق سوي إلا بما تتفق عليه العقول البشرية كقانون المادة بالضبط وهذا يستحيل أن يحصل إن كانت العقول هي التي تبدع في هذا الصعيد ما تشاء.

ولست بحاجة لأن أستشهد على ما أقول بالتجارب البشرية الفاشلة في هذا الشأن -المعالجات والعلاقات الإنسانية- رغم أن كل تلك التجارب تدل دلالة واضحة على ما أقول، بل سأتناول ذلك إن يسر الله تعالى بشكل تأصيلي تستوعبه كل العقول على اختلاف وجهات نظرها في الحياة.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.