العلمانية: العداء المزعوم بين الدين والعلم

قلنا أنّ العقل قادر على الاكتشاف في العلم التجريبي والقوانين العلمية المتعلقة بالمادة، وهو عندما يتوصل إلى حقيقة علمية معينة فإن العقول كلها توافقه ولا تختلف معه ما دام البحث قائماً في المادة من حيث وجودها وعدم وجودها، ومن حيث خضوعها للتجربة والاستنتاج، مع الأخذ بالاعتبار أن العقل اكتشف ولم يبتدع.

وفي هذا ثبات للعلم بين البشر ولذلك فإن العلم لا دين له، فلا توجد صيدلة إسلامية ولا صيدلة مسيحية، ولا توجد هندسة بوذية ولا هندسة يهودية، فكلها علوم يتناولها جميع البشر ويستفيدون منها بغض النظر عن وجهات نظرهم في الحياة توافقت أو اختلفت.

وهنا ندحض مقولة العداء التقليدي الذي ابتدعه العلمانيون بين الدين والعلم، فالعلم خادم للإنسان ولا يمكن أن يستغني عنه، فالمصنع مثلاً يأخذ حكم ما ينتجه، فمصنع الخمر حرام لأنه ينتج حراماً ومصنع الخلّ حلال لأنه ينتج حلالاّ وكلاهما يقومان على نفس التقنية العلمية، ولذا فإن أنتج المصنع محرمات كالمخدرات والخمور مثلاً يكون حراماً، وإن أنتج حلالاً كالمواد الغذائية والعصائر فإنه يكون حلالاً، وهذا لا علاقة له بالعلم من حيث الحكم عليه، وإنما له كل العلاقة -بغض النظر عن مصدر العلم- في عمله كمصنع، لأن العلم هو الذي يطوره من مصنع بدائي إلى تقني، وهذا لا علاقة له بالدين لأن الدين أباحه أصلاً وترك للإنسان أن يطور صناعاته ومظاهر حياته المادية وفق ما يشاء ضمن قاعدة عامة وهي عدم مخالفة الشرع وعدم الضرر والإضرار، فالاستنساخ علم، وما يسمى بأطفال الأنابيب علم ولكنه إذا تعارض مع حكم في الدين يكون استخدامه فيما تعارض معه محرماً، فمثلاً؛ لا يجوز تلقيح بويضة امرأة من غير زوجها فهو محرم كما ذكره العلماء وجاء فيه قوله عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته) [أبو داود وغيره] ولكن استخدام أطفال الأنابيب فيما بين الزوج والزوجة لا شيء فيه، وهذا علم يتطور يوماً بعد يوم ولا يخالف الدين في شيء إلا ما ذكرناه، وكذلك الاستنساخ فالاستفادة منه فيما لم يحرمه الدين كالزروع وغيرها حسب ما فصله السادة العلماء لا شيء فيه، بل قد يكون مطلوباً. ومثل هذا عملية الإجهاض فإنها علم ولا يقوم بها إلا الأطباء العالمون، واستخدام مثل هذه العملية في الدين يخضع لحكمه فيها فإن كان الإجهاض محرماً كانت العملية محرمة، وإن لم يكن كذلك وقد يكون ضرورة كانت العملية حلالاً، فهي هي لم تتغير ولكن الذي تغير هو الحكم فيها.

ولذلك وجدنا المسلمين قد أخذوا المنجنيق من الرومان واستخدموه وكما ذكر المؤرخون فإن أول من استعمله سيدنا الكريم رسول الله عليه وآله أفضل الصلاة والسلام، ذكره ابن هشام في سيرته وجاء في الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر: (وَلم يشْهد غَزْوَة حنين وَلَا الطَّائِف عُرْوَة بْن مَسْعُود وَلَا غيلَان بن سَلمَة الثقفيان، كَانَا قد خرجا يتعلمان صناعَة المنجنيق والدبابات) والدبابات كانت تصنع من خشب يدخل فيها المقاتلون لنقب الأسوار، وكذلك أدوات الزراعة منذ أن كانت الفأس والمحراث إلى أن أصبحت فيما هي عليه اليوم، لم يقل أحد بتحريمها وهي من العلوم التي لا تستغني عنها البشرية في حياتها.

وكذلك غيرها من الصناعات والأدوات وما يتعلق بالعمران، فكل هذا من العلم المحض، له قوانينه وله خواصه وله تجاربه واستنتاجاته، ولم يحرم الدين شيئاً من ذلك.

فلا عداء بين الاثنين: الدين والعلم، إلا عند من لم يفهم الدين ولم يعرف العلم، أو من ابتدع هذا ليصم الدين بالتخلف.

أما بعض من يتكلمون باسم الدين وحاربوا العلم كبابوات القرون الوسطى وغيرهم في جميع العصور، فليس من اللائق إدراجهم في بحثنا ولا جعل الدين متهماً بسببهم، لأن الدين شيء وتمثله في الآخرين شيء آخر وبخاصة إذا ما كانت الأجواء أجواء جهل وتخلف كما كان في أوروبا وكما حصل للمسلمين بعد انحطاطهم، أو كان الوقوف في وجه العلم لمصالح دنيوية أو لإقصاء الدين عن الواقع، ناهيك عن أن فكرة هذا العداء ليست جديدة بل إنها من الموروثات القديمة التي أطلقت على إبليس المهندس الأعظم، وحامل النور (Lucifer) التي جاءت من اللاتينية وتعني حامل الضوء ونجمة الصباح المبهرة وهي فينوس المعروفة بكوكب الزهرة، جاء في قاموس أكسفورد:

(Old English, from Latin, light-bringing, morning star, from lux, luc- light + -fer bearing. Lucifer is by association with the ‘son of the morning’ (Isa. 14:12), believed by Christian interpreters to be a reference to Satan.) [أكسفورد، والمورد]

ذكرت هذه التفصيلات مع الاعتذار، وذلك لأهمية إظهار هذا العداء المزعوم، فإبليس في معتقدهم هو الذي وقف في وجه الظلام والجهل والتخلف، فصار أتباعه النورانيين أو المتنورين (illuminati) أما عموم الناس فهم الظلاميون ذوو العيون المعصوبة والذين يرمزون لهم دائماً بهذه الصورة، ولذلك ارتبط العلم بالتحرر من الدين والانطلاق إلى التقدم والرقي، وارتبط الدين بالظلام والجهل .

يقول المنظر الأول للعلمانية جورج جاكوب هوليوك في كتابه العلمانية الإنجليزية 1896 وأنقله لكم للأهمية من كتابه الأصلي ص 35:

clip_image002

وترجمة ما تقدم:

(العلمانية هي القانون الواجب لهذه الحياة وهي قائمة على اعتبارات إنسانية، ومعدة للذين يجدون المعتقدات الدينية غير واضحة أو غير محددة أو غير ملائمة أو غير جديرة بالثقة أو لا تُصدق، ومبادؤها الأساسية ثلاثة:

الأول: تحسين هذه الحياة من خلال الوسائل المادية.

الثاني: أن العلم هو الراعي الطبيعي [الإلهي] المتاح للإنسان.

الثالث: من الأفضل أن تعمل الأفضل بغض النظر عن وجود آخر أو لا، فالأفضل للحياة الحالية هو الأفضل، ومن الأفضل أو الجيد أن تتوصل إلى ذلك)

ولاحظوا استخدام كلمة (Providence) فهي تعني حسب قاموسي أكسفورد والمورد العناية الإلهية وليس أي عناية، ومعنى كلامه أن العلم هو الإله الراعي وليس الله، وفي هذا أيضاً تذكير بما قدمناه في الكلمة السابقة بأن العلمانية هي اللادينية وليست من العلم.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.