العقل والمعالجات

هل يستطيع العقل أن يبتدع معالجاتٍ إنسانية؟

وأقصد بالمعالجات الإنسانية الحكمَ على أعمال الإنسان والأشياء التي تتعلق بها سواء أكانت هذه الأعمال أفعالاً أم أقوالاً: الأولى من ناحية حكم العمل والشيء الذي يتعلق به كفعل من حيث الإقدام عليه أو الإحجام عنه وبشكل مبسط أكثر المسموح والممنوع في المجتمع، والثانية من ناحية الثواب والعقاب المترتب على العمل نفسه: الثواب على الإقدام والإحجام والعقاب عليهما كذلك، ولنضرب مثالاً بسيطاً يوضح ما نعنيه: إذا جاع الإنسان تحركت فيه الطاقة الداخلية من أجل الطعام أو من أجل حاجة جسمه للطعام، وهو هنا إما أن يصنع الطعام أويشتريه أو يسرقه أو يستوهبه، فعندنا إذن عمل من أجل الحصول على الطعام، وعندنا عملية الإشباع التي يطلبها الجسم، هذه تحتاج إلى معالجات لكل واحدة منها، فالعمل من أجل الحصول على الطعام قد يكون مسموحاً كالشراء والاقتراض وقد يكون ممنوعاً كالسرقة، فمن يريد أن يأكل فإنّ بإمكانه أن يشتري الطعام، وبإمكانه أيضاً أن يسرق الطعام، والمعالجة هنا في حكم العمل الذي عليه أن يقوم به: الشراء أو السرقة، وفيما يترتب على العملين من ثواب أو عقاب كأن يكون الشراء مباحاً والسرقة محرمة، وفيما يتعلق بالشيء الذي يقع عليه الفعل كالطعام هل يجوز أكله ابتداء أم لا؟

ولننظر إلى المجتمع من زاوية أخرى:

تتكون العلاقات الاجتماعية بين الناس لحاجة الإنسان إلى غيره كي يعيش، فالإنسان بحاجة إلى طعام وشراب ومسكن ولباس، حاجات أساسية لا تقوم حياته إلا بها، وفيه غرائز تحتاج إلى إشباع كغريزة النوع وحب البقاء والتدين الفطري، وهو بحاجة إلى الأمن الذي يحقق له الاستفادة من هذه كلها، وفوق ذلك هو بحاجة إلى كماليات تحقق له الرفاه والراحة والاستقرار، وهي وإن كانت غير ضرورية بمعنى أن الإنسان يستطيع العيش بدونها إلا أنها وبحسب نظرة المجتمع إليها قد تكون ذات أهمية خاصة، ولا يتم ذلك كله إلا في المجتمع الذي يعيش فيه الناس وفق علاقات اجتماعية فيما بينهم، ووفق توافق فيما بينهم على اعتبار هذه العلاقات وليس رفضها الذي لا يحقق بدوره التوافق ابتداء، فمن يرى حرمة التعامل بالربا مثلاً فإنه يرفض إنشاء علاقة ربوية مع غيره، ومن يرفض الزنا فإنه يحرم العلاقة فيه، وبالتالي فإن عدمها عنده هو الأصل وليس وجودها، وكل هذا يكون وفق نظام يفرض نوع العلاقة ويجرّم ما يخالفها.

وما المجتمع إلا هذه العلاقات التي جمعت الناس، وتوافقهم عليها، والنظام الذي يحكم علاقاتهم، وهذه كلها معالجات تراها تختلف من مجتمع إلى مجتمع بحسب وجهة النظر في الحياة.

هذه هي المعالجات الإنسانية منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض، وهي أعمال الإنسان، والأشياء التي تقع عليها أفعاله، فالسرقة عمل والشيء الذي تقع عليه السرقة كفعل هو الطعام، وهكذا، ومن الطبيعي ألا يُترك الإنسان لأهوائه وغرائزه وحاجاته العضوية تسيّره كيفما تشاء، إن جاع أخذ الأكل ولو بالسرقة والإكراه، وإن أراد أن يجمع المال نهبه، وإن أراد السكن تخير ما يشاء من مساكن الآخرين، لأن الحياة الإنسانية ستتحول حينئذ إلى حيوانية؛ البقاء فيها للأقوى، ولذلك تحاول العقول الإنسانية دائماً الإتيان بمعالجات تنظم هذه الحياة لترتقي بها -كل حسب زعمه- على الحياة البهيمية.

ونعود الآن إلى سؤال البداية: هل يستطيع العقل أن يصدر هذه المعالجات؟

بالطبع لا يستطيع، وعدم استطاعته سببها عدم قدرته، فهو قاصر عن أن يأتي بهذه المعالجات لأنه وإن استطاع أن يوصّف العمل ولكنه لا يستطيع أن يحكم عليه من حيث حسنه أو قبحه، أي من ناحية ما يترتب عليه من كونه مجرّماً أو غير مجرم، فضلاً عن أن الإنسان ليس آلة وإنما هو مجموعة من الأفكار والمشاعر والأحاسيس، وعلاقاته في المجتمع متصلة ببعضها، ولا يحيط بها العقل البشري، فضلاً عن تفاوت العقول في الحكم على أي عمل من ناحية ترتب العقاب عليه فيكون مجرّماً في المجتمع أو ترتب الثواب عليه فيكون حسناً.

إن مشكلة العقل الإنساني الذي انحدر في البشرية إلى الحضيض تكمن في عدم تفريقه بين ما يستطيع التفكير فيه وما لا يستطيع التفكير فيه، بين قدرته المحدودة وتخرصاته غير المحدودة، بين الواقع الذي يتعامل معه والخيال الواسع الذي يتصوره، ولذلك وجدنا العقل الإنساني يتخبط في معالجاته الإنسانية، فعقل يرى العمل محرّماً وعقل آخر يرى نفس العمل مباحاً. بل إنه فشل في توصيف العمل نفسه فهو مَنَع المخدِّرات وأباح الخمر وكلاهما تدمير للعقل والجسم الإنساني، ولتأثير الواقع كل الأثر في هذا التخبط، فعندما كانت عفّة الفتاة مثلاً أمراً سائداً في المجتمع وعِرضاً تجب المحافظة عليه؛ كانت علاقة النوع يحكمها الزواج، وكان الإجهاض محرماً بل ونادراً، وعندما بدأت تلك العفّة تفقد قيمتها بسبب التحرر من الأديان والأعراف، والانغماس في الحريات الشخصية، صار الزواج نادراً والإجهاض مباحاً وذلك في بعض المجتمعات طبعاً، كل هذا يدل على أن العقل الإنساني في تعامله مع الواقع لا يمكن أن يأتي بجديد من عنده سواء في العلم أو في الفكر، ففي العلم يكتشف ما هو مكنوز في الواقع، وفي الفكر يأخذ ما هو موجود في الواقع ولكن الفرق كما بينا أن اكتشافه العلمي يتساوى فيه العقل الواحد مع كل العقول الإنسانية أما في الفكر فإن العقول تختلف لطبيعة الفكر عندما يحكم على الواقع.

فالعقول لا تجتمع على المعالجات الإنسانية كما تجتمع على الإنتاج العلمي، فالأولى محل نظر عند كل عقل، والثانية محل موافقة لأنه لا يوجد عقل سليم يرفضها.

هذه هي الفكرة، تحكم الإنسان بالإنسان، وهذا ما يجب أن يدركه كل إنسان بغض النظر عن ديانته أو معتقده أو وجهة نظره في الحياة، وهو أن وقف عمل العقل بإدراك أن المعالجات الإنسانية تأتي من مصدر خارج عنه، وإطلاقه لينتجها، هو التحكم ذاته، ولا يُردّ على هذا بأكذوبة الأغلبية التي تحكم، لأنها في النهاية وإن كانت أغلبية -مع التحفظ- فإن النتيجة واحدة وهي تحكم الإنسان بالإنسان، وعلى الأقلية أن تقبل بالأغلبية أن تتحكّم بها ولو كانت الأقلية شخصاً واحداً، ووقف التفكير هذا صرَفَ الأذهان عن أمر خطير وهو توافق العقول الإنسانية على المعالجة الصحيحة لأنها لم تأت أصلاً من أي واحد منهم، فتأخذ هذه المعالجة صورة الإنتاج العلمي الذي تتوافق عليه العقول طبيعياً ودون اختلاف.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.