عاشوراء ليس يوم فرح

شذ بعيداً كل أولئك الذين زعموا أن يوم عاشوراء هو يوم فرح للمسلمين معللين ذلك بأن الله تعالى أظهر في هذا اليوم رسوله موسى عليه السلام على فرعون، ولذلك فهم يعتبرون إظهار الفرح في هذا اليوم من السنّة، وقد يتجاوزون ذلك بالمبالغة في إظهار الفرح والسرور بأشكال متعددة، كما يفعل الناس في يوم العيد مثلاً. ولم يبتدع هؤلاء هذا بل اتبعوا من ابتدع هذا الأمر من قبلهم كما سيأتي معنا.

وفي المقابل يظن بعض الشيعة أن من ابتدعوا هذا الأمر فعلوه فرحاً والعياذ بالله تعالى بمقتل حفيد الرسول عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، ومنهم من يقول أن صوم هذا اليوم حرام لأنه فرح والفرح في هذا اليوم حرام، ظناً منه أن الصيام يدل على الفرح، وهذا من الجهل عند الجانبين ومن ردات الفعل التي تحرك كل فريق ضد الفريق الآخر، بلا وعي ولا دليل ولا تبصّر.

أما عاشوراء فالشيعة والسنة يعرفون أن شهرته لم تأت من نصر الله تعالى لسيدنا موسى عليه السلام بقدر ما أتت من كونه حصلت فيه أكبر مصيبة من المصائب التي مرت على المسلمين وهي مصيبة قتل الحسين عليه سلام الله ورضوانه، تلك المصيبة التي لم يُكلم المسلمون بمثلها، إذ قتل في ذلك اليوم سيد شباب أهل الجنة وابن فاطمة الزهراء عليها السلام، وفوق هذا كله فهو حفيد خير الخلق سيدنا محمد عليه وآله أفضل الصلاة والسلام. ولم يقتل لوحده بل قتل معه الكثير من أهل البيت عليهم السلام ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعبد الله والقاسم وغيرهم، فقد اتفق على هذه الأسماء الشيعة والسنة في مصادرهم، عثمان بن علي بن أبي طالب [ذكره الشيخ المفيد في الإرشاد والمسعودي والأصفهاني في مقاتل الطالبين وغيرهم] وأبو بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأخواه عبد الله والقاسم [ذكره في الإرشاد ومقاتل الطالبين والطبري] وعمر بن علي بن أبي طالب، وعمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب وعبيد الله بن عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الحسن بن علي [أنصار الحسين للشيخ محمد مهدي شمس الدين، والإرشاد للمفيد ومروج الذهب للمسعودي ومقاتل الطالبين للأصفهاني وتاريخ الطبري وغيرها من المراجع التاريخية] .

قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) [الترمذي] وللترمذي أيضاً من حديث أسامة بن زيد قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وهو مشتمل على شيء. قلت: ما هذا؟ فكشف فإذا حسن وحسين على وركيه، فقال: (هذان ابناي وابنا بنتي، اللهم إني أحبهما، فأحبهما، وأحب من يحبهما) وعن حذيفة أنه سمع النبي عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام يقول: (هذا ملك لم ينزل قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي، ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) [الترمذي] .

وجاء عن ابن عمر، أن رجلاً سأله عن دم البعوض، فقال له ابن عمر: ممن أنت؟ فقال: من أهل العراق. قال: انظر إلى هذا، يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سمعت رسول الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام يقول: (هما ريحانتاي من الدنيا) [البخاري وأحمد والترمذي] وعن عاصم عن زر عن عبد الله: رأيت رسول الله عليه الصلاة والسلام أخذ بيد الحسن والحسين ويقول: (هذان ابناي؛ فمن أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني) . [ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجه] وقال أبو هريرة: أتنفسون على ابن نبيكم -يقصد الحسن عليه سلام الله ورضوانه- بتربة تدفنونه فيها وقد سمعت رسول الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام يقول: (من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني) [الحاكم والبيهقي] .

فكان مقتله بحق فاجعة على كل المستويات، وعلى المسلمين أن يدرسوها حق دراستها ليستفيدوا منها ويعرفوا كيف حصلت هذه الحادثة البشعة بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام وبسنين قصيرة من وفاته.

أما عن موضوع الفرح في يوم عاشوراء فقد استدل عليه زوراً وبهتاناً المبتدعة كما أطلق عليهم علماء المسلمين قاطبة، بما ورد في أحاديث صيام يوم عاشوراء كما جاء في حديث البخاري: (لما قدم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المدينةَ، واليهودُ تصومُ عاشوراءَ، فسألهم فقالوا: هذا اليومُ الذي ظهر فيه موسى على فرعونَ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: نحن أولى بموسى منهم، فصومُوه) فاعتبره هؤلاء يوم فرح لظهور موسى فيه على فرعون، واستدل بعضهم بأحاديث أخرى منها المكذوب والموضوع مما لم يثبت منه شيء، كحديث: (إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ افترض على بني إسرائيلَ صومَ يومِ السَّنةِ يومِ عاشوراءَ، وهو اليومُ العاشرُ من المحرَّمِ، فصوموه ووسِّعوا على أهاليكم فيه، فإنَّه من وسَّع على أهلِه من مالِه يومَ عاشوراءَ وسَّع اللهُ عليه سائرَ سنتِه، فصوموه فإنَّه اليومُ الَّذي تاب اللهُ فيه على آدمَ، وهو اليومُ الَّذي رفع اللهُ فيه إدريسَ مكانًا عليًّا، وهو اليومُ الَّذي نجَّى فيه إبراهيمَ من النَّارِ … الحديث) وقد قال عنه ابن الجوزي في الموضوعات: (لا يشك عاقل في وضعه) وحديث (إنَّ اللهَ افترض على بني إسرائيلَ صومَ عاشوراءَ فصوموه، ووسِّعوا على أهاليكم فإنَّه اليومُ الَّذي تاب اللهُ فيه على آدمَ ونجَّى إبراهيمَ من النَّارِ، وأخرج نوحًا من السَّفينةِ، وأنزل التَّوراةَ على موسَى، وفدا إسماعيلَ، وردَّ على يعقوبَ بصرَه، وكشف البلاءَ عن أيُّوبَ، وأخرج يونسَ من بطنِ الحوتِ، وفلق البحرَ لموسَى، وغفر لمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذنبَه ما تقدَّم وما تأخَّر، فمن صام عاشوراءَ كان كفَّارةَ أربعين سنةً، وطوَّل الحديثَ. وفيه: ومن صامه أُعطي ثوابَ ألفَ شهيدٍ وكُتب له أجرُ سبعِ سماواتٍ. وفيه: خلق اللهُ السَّماواتِ والأرضَ والجبالَ والبحارَ والعرشَ والقلمَ. وفيه: تقومُ السَّاعةُ وأوَّلُ يومٍ خلقه اللهُ يومُ عاشوراءَ) هذا الحديث الذي قال فيه الذهبي: (قبح الله من وضعه ما أجهله) وغيرها من الموضوعات التي لا يجوز الاستدلال بها.

أما بالنسبة للحديث الصحيح وما ذكر فيه عن نجاة موسى، فإنه لا يوجد فيه ما يفهم منه إظهار الفرح والسرور، إذ ليس الصيام هنا بسبب الفرح والسرور، ولا يصح جعل الفرح علة للصيام، بل هو أمر من الرسول عليه الصلاة والسلام بصيامه وهو تشريع لنا وليس اتباعاً لليهود كما يُظن.

فضلاً عن أن الصيام ليس من مظاهر الفرح كما يظن من أخطأ في فهم الحديث، ولو قلنا أن الإفطار والأكل من مظاهر الفرح وليس الصيام لكنا صادقين، فالصيام يحرم على المسلمين في العيد وهو يوم فرح وسرور، وقد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أكثر من واحد من الصحابة (علي بن أبي طالب، سعد بن أبي وقاص، عبد الله بن حذافة، معمر بن عبد الله، كعب بن مالك، أوس بن الحدثان) أن يطوفوا في الناس أيام التشريق ويقولوا لهم: (ألا لا تصومُوا هذه الأيامَ فإنها أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذكرِ اللهِ) [مسلم، الطحاوي، النسائي] وقال عليه الصلاة والسلام: (للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه) [البخاري وغيره] وفيه دلالة واضحة على أن الفطر فرح، فأعياد المسلمين التي هي أيام فرح وسرور أقرهما الشرع، يحرم فيها الصيام، وأي فرح بالامتناع عن الطعام وهو من أجمل المتع التي يتمتع بها الناس في أفراحهم؟ فلا يكون الصيام إظهاراً للفرح والسرور بحال. ولو كان كذلك لصام المسلمون يوم مولد الرسول عليه الصلاة والسلام ويوم بعثته، ويوم هجرته ويوم موقعة بدر. وهذا ما لم يفعلوه.

وأعياد المسلمين التي يفرحون فيها كما أمر الشرع هي عيد الفطر وعيد الأضحى، فعن أنس بن مالك قال: (قدم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن الله قد أبدلكما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر) [أبو داود] ومن ابتدع أياماً غير هذين العيدين في الشرع للفرح والسرور فقد أثم وأدخل في الدين ما ليس منه.

ولا يعني هذا حرمة الفرح والحزن، بل يعني أن يجعل الفرح أو الحزن في يوم مخصوص من الدين فهذا من الابتداع، وإلا فإن الإنسان إذا تذكر ميتاً عزيزاً عليه حزن، وإذا تذكر حدثاً سعيداً فرح، فإذا تذكر وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام بكى، وإذا تذكر ولادته عليه وآله أفضل الصلاة والسلام فرح، وهذا لا علاقة له بالابتداع، ولكن الابتداع أن يقول للناس افرحوا أو احزنوا ويجعل هذا من الدين.

أما عن جعل يوم عاشوراء يوم فرح وسرور فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنابلة والشافعية والمالكية والحنفية إلى أن الاحتفال في ليلة العاشر من محرم أو في يومه بدعة، وأنه لا يستحب شيء منه، بل إن ما روي في هذا الباب إنما هو من وضع الوضاعين أهل البدع تشجيعاً لبدعتهم التي يصنعونها في هذا اليوم. [رد المحتار، حواشي الشرواني، جواهر الإكليل، كشاف القناع: عن الموسوعة الفقهية] وقد جاء في الموسوعة الفقهية (قال بعض الفقهاء تستحب التوسعة على العيال والأهل في عاشوراء، واستدلوا بما روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام: (من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته) وجاء في الهامش: أخرجه البيهقي وأورده ابن حبان في كتاب المجروحين وقال في أحد رواته لا يجوز الاحتجاج به) [الموسوعة الفقهية: مادة عاشوراء] وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن إسماعيل الجعفري، قال أبو حاتم: منكر الحديث وعن الرواية: (من وسع على عياله يوم عاشوراء لم يزل في سعة سائر سنته) قال: رواه الطبراني في الكبير وفيه الهيصم بن شداخ وهو ضعيف جداً.

قال المناوي في فيض القدير: (قال العقيلي: الهيصم مجهول والحديث غير محفوظ من هذا الوجه عن أبي سعيد الخدري ثم قال: تفرد به هيصم عن الأعمش وقال ابن حجر في أماليه: اتفقوا على ضعف الهيصم وعلى تفرده به وقال البيهقي في موضع: أسانيده كلها ضعيفة وقال ابن رجب في اللطائف: لا يصح إسناده وقد روي من وجوه أخر لا يصح شيء منها ورواه ابن عدي عن أبي هريرة قال الزين العراقي في أماليه: وفي إسناده لين فيه حجاج بن نصير ومحمد بن ذكوان وسليمان بن أبي عبد الله مضعفون لكن ابن حبان ذكرهم في الثقات فالحديث حسن على رأيه وله طريق آخر صححه ابن ناصر وفيه زيادة منكرة اهـ. وتعقب ابن حجر حكم ابن الجوزي بوضعه وقال المجد اللغوي: ما يروى في فضل صوم يوم عاشوراء والصلاة فيه والانفاق والخضاب والادهان والاكتحال بدعة ابتدعها قتلة الحسين رضي الله عنه وفي القنية للحنفية الاكتحال يوم عاشوراء لما صار علامة لبغض أهل البيت وجب تركه) .

وقال المباركفوري في مرعاة المفاتيح: (قوله: وروى البيهقي في شعب الإيمان عنه أي عن ابن مسعود، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير، كلاهما من حديث الهيصم بن شداخ عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ابن مسعود. قال البيهقي في الشعب تفرد به الهيصم عن الأعمش. وقال العقيلي: الهيصم مجهول، والحديث غير محفوظ. وقال ابن حبان: الهيصم يروي الطامات لا يجوز أن يحتج به. وقال الهيثمي: هو ضعيف جداً) .

فالفقهاء الذين قالوا بالتوسعة والتصدق بريئون من جعل هذا اليوم عيداً ومن الفرح فيه بل يعتبرون هذا من الابتداع في الدين وينكرونه، وغاية قولهم هي التوسعة على العيال والأهل والجيران والتصدق كما ذكر الجمل في حاشيته على منهج الطلاب لزكريا الأنصاري: (وَيُسْتَحَبُّ فِيهِ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ وَالأقَارِبِ، وَالتَّصَدُّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَلْيُوَسِّعْ خُلُقَهُ وَيَكُفَّ عَنْ ظُلْمِهِ) ولا يصح أن تفهم التوسعة على أنها ابتهاج وفرح بل هي عبادة أخذوها من الحديث على الرغم من ضعفه كما تقدم.

وابن تيمية من العلماء المشهورين في الرد على الشيعة، فلنقرأ شهادته على هؤلاء الذين ابتدعوا الفرح والسرور في هذا اليوم وماذا يقول عنهم: (وصار الشيطان بسبب قتل الحسين رضي الله عنه يحدث للناس بدعتين: بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء، من اللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاد المراثي، وما يفضي إليه ذلك من سب السلف ولعنتهم، وإدخال من لا ذنب له مع ذوي الذنوب حتى يسب السابقون الأولون، وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب. وكان قصد من سن ذلك فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة، فإن هذا ليس واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة من أعظم ما حرمه الله ورسوله، وكذلك بدعة السرور والفرح) ويقول (وأحدث هؤلاء السرور ورووا أنه من وسع على أهل يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته، قال حرب الكرماني: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: لا أصل له وليس له إسناد يثبت) وقال: (ورووا أنه من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام، ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام فصار أقوام يستحبون يوم عاشوراء الاكتحال والاغتسال والتوسعة وإحداث أطعمة غير معتادة. وهذه بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين رضي الله عنه) .

وقال في الفتاوى: وقوم من المتسننة رووا ورويت لهم أحاديث موضوعة بنوا عليها ما جعلوه شعاراً في هذا اليوم، يعارضون به شعار ذلك القوم فقابلوا باطلاً بباطل، وردوا بدعة ببدعة، وإن كانت إحداهما أعظم في الفساد وأعون لأهل الإلحاد، مثل الحديث الطويل الذي رُوي فيه: من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام، ومن اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام [قال ابن الجوزي في الموضوعات: لا يشك عاقل في وضعه] ، وأمثال ذلك من الخضاب يوم عاشوراء، والمصافحة فيه، ونحو ذلك، فإن هذا الحديث ونحوه كذب مختلق باتفاق من يعرف علم الحديث، وإن كان قد ذكره بعض أهل الحديث؛ وقال: إنه صحيح؛ وإسناده على شرط الصحيح، فهذا من الغلط الذي لا ريب فيه، كما هو مبين في غير هذا الموضع. ولم يستحب أحد من الأئمة المسلمين الاغتسال يوم عاشوراء، ولا الكحل فيه، والخضاب، وأمثال ذلك، ولا ذكره أحد من علماء المسلمين الذين يقتدى بهم ويرجع إليهم في معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، ولا فعل ذلك رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي رضي الله عنهم، ولا ذكر مثل هذا الحديث في شيء من الدواوين التي صنفها علماء الحديث، لا في المسندات: كمسند أحمد، وإسحاق، وأحمد بن منيع، والحميدي، والدالاني، وأبي يعلى الموصلي، وأمثالها، ولا في المصنفات على الأبواب: كالصحاح، والسنن، ولا في الكتب المصنفة الجامعة للمسند والآثار، مثل: موطأ مالك، ووكيع، وعبدالرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأمثالها) .

وقد اعتبر ابن كثير هؤلاء من النواصب وهم من أهل الشام كما ذكر ذلك في البداية والنهاية إذ كانوا يطبخون الحبوب ويغتسلون ويتزينون ويتطيبون ويلبسون أحسن الثياب ويجعلون هذا اليوم عيداً صانعين فيه أنواع الطعام.

أما صيام يوم عاشوراء فهو مستحب عند الجميع سنة وشيعة ولم يخالف منهم أحد في استحباب صيامه، فقد جاء في الاستبصار لأبي جعفر الطوسي وفي وسائل الشيعة للعاملي عن أبي عبد الله عن أبيه أن علياً عليهما السلام قال: (صوموا التاسع والعاشر فإنه يكفر الذنوب سنة) . وعن أبي الحسن قال: (صام رسول الله صلى الله عليه وآله يوم عاشوراء) . وعن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: (صيام عاشوراء كفارة سنة) .

وقد جاء في أحاديث أخرى صحيحة أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصوم عاشوراء قبل فرض صيام رمضان فلما فرض صيام رمضان تركه (وهي مسألة خلافية بين الفقهاء) فقد جاء في الحديث الصحيح ما رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن يزيد قال: دخل الأشعث بن قيس على عبد الله يوم عاشوراء وهو يتغدى، فقال: يا أبا محمد، ادن للغداء، قال: أوليس اليوم عاشوراء؟ قال: وتدري ما يوم عاشوراء؟ إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل رمضان، فلما أنزل رمضان ترك. وجاء في مسلم عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول في يومِ عاشوراء (إنَّ هذا يومٌ كان يصومُه أهلُ الجاهليةِ. فمن أحبَّ أن يصومَه فليصمْهُ. ومن أحبَّ أن يتركَه فليتركْهُ) وكان عبدُ اللهِ رضيَ اللهُ عنهُ لا يصومُه إلا أن يوافقَ صيامَه.

لذا فإن القول بأن يوم عاشوراء يوم فرح وسرور بدعة ليست من الدين، وكذلك جعل هذا اليوم يوم لطم ونياحة وتجاوز فيما يحصل من الجهلة فهو بدعة أيضاً وهي ليست من الدين.

وكل هذا بسبب ردات الفعل عند الفريقين، فريق أوغل في تطرفه فجعل من هذا اليوم بالذات يوم نياحة ولطم وتصرفات لم يأذن بها الشرع مع الأخذ بالاعتبار أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قد قتل وكذلك علي بن أبي طالب وابنه الحسن عليهما السلام قد قتلا من قبل ولم يتخذ المسلمون أيام مقتلهم كما يحصل في عاشوراء، وفريق آخر أوغل في تطرفه بردة فعل أخرى فجعل من هذا اليوم يوم فرح وسرور وأمر بإظهار البهجة فيه وكأنه عيد، وكلا الفريقين على خطأ.

فلنبتعد عن ردات الفعل، ولا نجعل منها أصولاً نشرع منها ديننا فندخل فيه منها ما ليس منه.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.