إشكالية التحكم في المعالجات

مهمة الدين هي حلّ هذه الإشكالية، إشكالية التحكم بالإنسان من قبل الإنسان الآخر، إشكالية المعالجات الإنسانية التي يبتدعها الإنسان ليحكم بها الآخرين، وهي بكل بساطة (الاستعباد) فالاستعباد ليس أغلالاً توضع في يد المستعبَد، وليس سوطاً مسلطاً على ظهره فحسب، وإنما هو كل تحكم في الإنسان من قبل إنسان آخر هو استعباد له، وهو سلب لاختياره وإرادته، وأن يتم إقناع هذا المستعبَد بأنه مختار حر في تحكم الآخرين به فهذا أبشع استعباد.

ولذلك وجدنا أن الدين واحد لا يتعدد منذ أن خلق الله الخلق إلى يوم القيامة، وأصل الدين هو الانقياد والذلّ، وسُميت المدينةُ مدينة لأن من يدخلها يدين بقوانينها أي يخضع لها، وهذا الدين هو دين الله تعالى وهو الإسلام الذي جاء به كل الرسل من آدم عليه السلام إلى رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 19] وهو دين إبراهيم ويعقوب ومن أتى بعدهم من الأنبياء والرسل عليهم السلام: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: 132] وهو دين يوسف الصديق عليه السلام: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40] وهو دين نوحٍ وموسى وعيسى عليهم السلام: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [الشورى: 13] ولن تجد في القرآن الكريم جمعاً لكلمة الدين، لأنه واحد لا ثاني له، يدين به كل من يؤمن بالله تعالى ويوحده ولا يشرك به شيئاً.

أما أحكام الدين التي أنزلها الله على البشر فإنها أخذت تَوافق العقول على قبولها والالتزام بها لأنها من الله تعالى وليست من الإنسان، فمن آمن بالله تعالى قبِل وانقاد لكل ما يأتيه منه، وهذه الأحكام وإن اختلفت من رسالة إلى أخرى ولكن مصدرها واحد، وهذا الذي يجب أن يدركه كل صاحب دين، فمن آمن بالله وحده جلّ وعلا -من أي ديانة كان- وتنزلت عليه أحكام الله ليلتزم بها، فإن عليه أن ينتظر من الله تعالى كل ما يأتيه منه ليلتزم به حتى ولو أتاه من رسالة أخرى غير الرسالة التي أنزلت عليه وذلك كما حصل مع اليهود مثلاً عندما جاءهم سيدنا عيسى عليه السلام وقال لهم: {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: 50] ذلك لأن الأصل واحد وهو الإيمان بالله الخالق سبحانه، فالله تعالى هو المعبود وما على العبد إلا أن يتقبل ما يأتيه من معبوده، وعبادة الله تعالى هي قبول ما يأتي عن طريق رسوله والالتزام به، ولذلك يقرر سيدنا عيسى عليه السلام هذه الحقيقة فيقول لهم: (إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [آل عمران: 51] فالمعبود واحد لم يتغير وعبادته تقتضي قبول ما جئت به لكم من عنده وهذا هو الصراط المستقيم، وهذا ما كان يُنتظر من اليهود والنصارى أن يدركوه ليكونوا السابقين إلى الإسلام خاتمة الرسالات، ما داموا يؤمنون بالله تعالى الذي أنزل هذه الرسالات كلها من آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} [آل عمران:70] وقال جلّ وعلا: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 15] وقال عزّ وجلّ: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 19] وقال سبحانه: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] وقد فاز منهم من آمن بالرسالة الخاتمة لأنها من الله تعالى الذي آمن به، أما الباقي فقد خسروا وانطبق عليهم المثل الذي ضربه الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما رواه عنه أبو موسى رضي الله تعالى عنه أنه قال: «مَثَلُ المُسْلِمِينَ وَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا، يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالُوا: لاَ حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ، فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ، فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلاَةِ العَصْرِ، قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا، فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الفَرِيقَيْنِ» [البخاري والبيهقي وغيرهما، وللبيهقي: بقيراط] فالمسلمون ربحوا الإيمان كله والالتزام كله، لأنهم آمنوا بكل ما نزل من الرسالات السابقة وآمنوا بالرسالة الخاتمة، قال تعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [البقرة: 136] وقال جلّ وعلا: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] .

فالعقول ليست بحاجة لأن توافق على المعالجات التي جاء بها الدين ما دام مصدرها واحد وهو الله تعالى، فضلاً عن أن المعالجات التي جاء بها الدين ليست موضع تعليل ومنطق واقتناع بل هي موضع تطبيق، ولذلك انحصر دور العقل الإنساني في تلقي الرسالة وفهم نصوصها وتطبيق هذه النصوص في المجتمع الإنساني، وبذلك يتحقق الاستقرار الطبيعي الكامل الذي فشلت العقول الإنسانية أن توجده في مجتمعاتها لاختلافها في إصدار هذه المعالجات ولتأثرها بالواقع حين إصدارها.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

جزاك الله خير. احسنت وبارك الله فيك

تعليق بويابر بتاريخ 28 أكتوبر، 2016

أحسن الله إليك وجعلني الله عند حسن ظنكم بي، وأشكرك على اهتمامك وتواصلك

تعليق warithon بتاريخ 1 يونيو، 2017

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.