فائدة: الخرافة

كلمتنا اليوم خفيفة على المسامع، وهي من لطائف العرب.

الخَرَفُ، بالتحريك: فَسادُ العَقْلِ من الكِبَرِ. وقد خَرِفَ الرجُل، بالكسر، يَخْرَفُ خَرَفاً، فهو خَرِفٌ: فَسَدَ عَقْلُه من الكِبَرِ، وتأتي بمعنى جني الثمار، وما زال عرب الجزيرة يستخدمونها، فالخرّاف عندهم هو الذي يقطف الرطب من على النخل ولذلك يقولون: (إذا طلع المرزم يا خراف ارزم) والمرزم موسم من مواسم الجزيرة العربية وهو أشدها حراً ويبدأ في نهاية يوليو.

والخرافة، أو حديث الخرافة هو الحديث الذي يغلب عليه الخيال أو ما يسمونه بالأساطير.

هذا هو المعنى الدارج لهذه الكلمة، وقد يظن البعض أنها جاءت من الخرف، وقد يكون هذا وارداً لأن الخرافة تأتي من فساد العقل وخاصة عند الكبر، وما اشتهر أنها جاءت مما تسميه العرب حديث خرافة، وخرافة هذا رجل من بني عذرة حدث قومه حديثاً غريباً حصل له فأطلقوا على كل ما يماثله حديث خرافة.

وجاء في كتاب جمهرة أمثال العرب: (أمحل من حديث خرافة: وهو رجل من بنى عذرة زعموا أن الجن استهوته فلبث فيهم حيناً ثم رجع إلى قومه فأخذ يحدثهم بالأكاذيب وزعم بعضهم أن خرافة اسم مشتق من اختراف السمر أي استطرافه) .

وجاء في الحديث ذكر هذا الرجل، فيما رواه أحمد عن مسروق، عن عائشة، قالت: (حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ذات ليلة حديثاً، فقالت امرأة منهن: يا رسول الله، كان الحديث حديث خرافة؟ فقال: أتدرين ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلا من عذرة، أسرته الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهرا طويلا، ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة) [فيه مجالد بن سعيد وبقية رجاله ثقات، غير أبي عقيل عبد الله بن عقيل الثقفي، فمن رجال أصحاب السنن، وهو صدوق، وقال عبد الله بن الإمام أحمد: أبو عقيل هذا ثقة اسمه عبد الله بن عقيل الثقفي وقال الساعاتي: لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وإسناده جيد]

والرسول عليه الصلاة والسلام أشار في هذا الحديث وغيره إلى أن خرافة كان رجلا ًمن عذرة، وأن له قصة مع الجن، أما قصته مع الجن فلم ترد في الأحاديث التي ورد فيها ذكر خرافة، إلا ما أورده ابن أبي الدنيا في ذم البغي وهي رواية ضعيفة عن رجل من الجن وقصته مع أمه وزوجته وما أورده الحسن اليوسي فيما يعد من قصص الأدباء.

(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: اجْتَمَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاؤُهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ الْكَلِمَةَ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ عِنْدَ أَهْلِهِ. قَالَ: فَقَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: كَأَنَّ هَذَا مِنْ حَدِيثِ خُرَافَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَدْرِينَ مَا حَدِيثُ خُرَافَةَ؟ إِنَّ خُرَافَةَ كَانَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ فَأَصَابَتْهُ الْجِنُّ، وَكَانَ فِيهِمْ حِينًا، فَرَجَعَ إِلَى الْإِنْسِ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ بِأَشْيَاءَ تَكُونُ فِي الْجِنِّ، وَبِأَعَاجِيبَ لَا تَكُونُ فِي الْإِنْسِ، فَحَدَّثَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْجِنِّ كَانَتْ لَهُ أُمٌّ فَأَمَرَتْهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ، فَقَالَ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكِ مِنْ ذَلِكَ مَشَقَّةٌ، أَوْ بَعْضُ مَا تَكْرَهِينَ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى زَوَّجَتْهُ، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً لَهَا أُمٌّ. فَكَانَ يَقْسِمُ لَامْرَأَتِهِ وَلِأُمِّهِ، لَيْلَةً عِنْدَ هَذِهِ، وَلَيْلَةً عِنْدَ هَذِهِ، قَالَ: فَكَانَتْ لَيْلَةُ امْرَأَتِهِ وَكَانَ عِنْدَهَا، وَأُمُّهُ وَحْدَهَا، فَسَلَّمَ اثنان عَلَيْهِا فَرَدَّتِ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ مِنْ مَبِيتٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ مِنْ عَشَاءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ مِنْ مُحَدِّثٍ يُحَدِّثُنَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أُرْسِلُ إِلَى ابْنِي يَأْتِيكُمْ يُحَدِّثُكُمْ، قَالَ: فَمَا هَذِهِ الْخَشْفَةُ الَّتِي نَسْمَعُهَا فِي دَارِكِ؟ قَالَتْ: هَذِهِ إِبِلٌ وَغَنَمٌ. قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَعْطِ مُتَمَنِّيًا مَا تَمَنَّى فَإِنْ كَانَ خَيْرًا، وَقَدْ مُلِئَتْ دَارُهَا إِبِلًا وَغَنَمًا، فَرَأَتِ ابْنَهَا خَبِيثَ النَّفْسِ. فَقَالَتْ: مَا شَأْنُكَ؟ لَعَلَّ امْرَأَتَكَ كَلَّفَتْكَ أَنْ تُحَوَّلَ إِلَى مَنْزِلِي، وَتُحَوِّلَنِي إِلَى مَنْزِلِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: فَنَعَمْ، فَتَحَوَّلَتْ إِلَى مَنْزِلِ امْرَأَتِهِ، وَتَحَوَّلَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى مَنْزِلِ أُمِّهِ، فَلَبِثَا ثُمَّ أَصَابَاهَا وَالْفَتَى عِنْدَ أُمِّهِ، فَسَلَّمَا فَلَمْ تَرُدَّ السَّلَامَ، فَقَالَا: هَلْ مِنْ مَبِيتٍ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَا: فَعَشَاءٌ؟ قَالَتْ: وَلَا، قَالَا: فَمَا إِنْسَانٌ يُحَدِّثُنَا؟ قَالَتْ: وَلَا، قَالَ: فَمَا هَذِهِ الْخَشْفَةُ الَّتِي نَسْمَعُهَا فِي دَارِكِ؟ قَالَتْ: سِبَاعٌ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَعْطِ مُتَمَنِّيًا مَا تَمَنَّى وَإِنْ كَانَ شَرًّا، قَالَ: فَمُلِئَتْ عَلَيْهَا دَارُهَا سِبَاعًا، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أُكِلَتْ) [أخرجه ابن حبان بهذا اللفظ في المجروحين من طريق عاصم بن علي عن عثمان بن معاوية وقال: عثمان يروي عن ثابت البناني الأشياء الموضوعة التي لم يحدث بها ثابت قط ، لاتحل الرواية عنه إلا على سبيل القدح فيه فكيف الاحتجاج به]

وجاء في كتاب زهر الأكم في الأمثال والحكم للحسن اليوسي أن خرافة كان رجلاً صالحاً وخرج ذات ليلة فلقي ثلاثة نفر من الجن فأسروه فقال أحدهم: نعفو عنه. وقال آخر: نقتله. وقال آخر: نستعبده. فبينما هم يتشاورون في أمره ورد عليهم رجل فقال: السلام عليكم! فقالوا وعليكم السلام! قال: وما أنتم عليه؟ قالوا: نفر من الجن أسرنا هذا فنحن نتآمر في أمره. قال: إن حدثتكم حديثاً عجباً هل تشركوني فيه؟ قالوا: نعم! قال: إني كنت ذا نعمة فزالت وركبني دين فخرجت هارباً. فأصابني عطش شديد فصرت إلى بئر فسبرت لأشرب فصاح بي صائح منها ولم أشرب. فغلبني العطش فعدت فصاح بي ثم عدت الثالثة فصاح بي فشربت ولم ألتفت. فقال: اللهم إن كان رجلاً فحوله امرأة وإن كان امرأة فحولها رجلاً. فإذا أنا امرأة فأتيت مدينة فتزوجني رجل فولدت منه ولدين. ثم اشتقت إلى بلدي فمررت بالبئر التي شربت منها فصاح بي كما صاح أولاً. فشربت ولم ألتفت. فدعا كالأول فعدت رجلاً كما كنت. فأتيت بلدي فتزوجت امرأة فولدت لي منها ولدان: فلي اثنان من ظهري واثنان من بطني. فقالوا: إنَّ هذا لعجب! أنت شريكنا فيه.

فبينما هم يتشاورون ورد عليهم ثور يطير. فلما جاوزهم إذا برجل بيده خشبة يحضر في أثره. فوقف عليهم فسألهم فردوا عليه مثل مردهم على صاحبهم فقال: إن حدثتكم بحديث أعجب من هذا أنَّ تشركوني فيه؟ قالوا: نعم! قال: كان لي عم وكان لعمي عجل يربيه فأفلت فقال: أيكم رده فابنتي له. فأخذت خشبتي هذه وائتزرت ثم أحضرت في أثره وأنا غلام. وقد شبت فلا أنا ألحقه ولا هو ينكل. فقالوا: إنَّ هذا لعجب! أنت شريكنا فيه.

فبينما هم كذلك ورد عليهم رجل على فرس له أنثى وغلام له على فرس. فسلم كما سلم صاحباه فردوا عليه كردهم على صاحبيه. فسألهم فأخبروه فقال: إن حدثتكم بحديث أعجب من هذا أنَّ تشركوني فيه؟ قالوا نعم! قال: كانت لي أم خبيثة. ثم قال للفرس الأنثى التي تحته: أكذلك؟ فقالت: نعم! قال: وكنا نتهمها بهذا العبد وأشار إلى الفرس تحت غلامه: أهكذا؟ فقال برأسه نعم! فوجهت غلامي هذا الراكب على هذا الفرس في بعض حاجاتي فحبسه عندها فأغفى فرأى في منامه كأنها صاحت صائحة فإذا هو بجرذ قد خرج فقالت: اسجد! فسجد. ثم قالت: اكرب! فكرب. ثم قالت: ازرع! فزرع. ثم قالت: ادرس! فدرس. ثم دعت برحى فطحنت قدح سويق فأتت به الغلام وقالت له: ائت به مولاك! فأتاني به. فاحتلت عليها حتى سقيتها القدح فإذا هي فرس أنثى وإذا هو فرس ذكر. أكذلك؟ فقالت الفرس الأنثى برأسها: نعم! وقال الفرس برأسه: نعم! فقالوا: إنَّ هذا أعجب شيء سمعناه أنت شريكنا! فاجتمع رأيهم فأعتقوا خرافة. [زهر الأكم: 2/101 ، ولا تصح نسبة الحديث إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإن كان قد ذكر أن بعض الأدباء عدوه حديثاً] .

كل ما في الأمر أن خرافة هي نسبة إلى رجل يسمى خرافة تذكر الأساطير العربية قصته مع الجن، وهو عندما رجع إلى قومه حدثهم بما حصل معه، فلم يصدقوه، وصارت مثلاً يقال عن كل شيء خيالي أو أسطوري: حديث خرافة.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.