لا تقولوا ما لا تفعلون

الأصل في الفعل أن يكون ترجمة للقول، فلا يكون القول راقياً والفعل منحطاً، ولا يكون القول أمراً بخير والفعل تجسيداً لشر، لا يكون القول كريماً والفعل دنيئاً.

والذين يستطيعون أن يجعلوا أفعالهم ترجمة لأقوالهم هم الصادقون مع ربهم ومع أنفسهم، وبالتالي مع كل من يعرفهم.

أكثرنا في الأقوال مثالي؛ تتحدث في مجلس عن التواضع فترى الجميع يدّعونه ويثنون عليه، تتكلم عن الكرم فترى الجميع حاتم الطائي، يتكلم صاحب الرأي عن عدم تقديس الرأي والتعصب له، والاستماع إلى الرأي الآخر فتراه ولياً من الصالحين، ولكن، عند الأفعال يتغير كل شيء، فالمتواضع قولاً متكبر فعلاً، والكريم قولاً بخيل فعلاً، وصاحب الرأي متعصب لرأيه مستهزئ بآراء الآخرين.

هذه هي المشكلة، هل نحن فعلاً كما ندّعي؟

هذه اللحظات مهمة جداً في حياتنا، أن يتفكر كل واحد منا: هل هو كما يدّعي؟ هل يلتزم فعلياً بما يقوله للناس؟

ترى دكتوراً في الجامعة يدرس تلاميذه أخلاق الحوار، وأدب الخلاف، والموضوعية وعدم المقاطعة، ثم يخرج على الناس في برنامج حواري مع مخالف له، فتراه وحشاً، لا يحسن الحوار، أستاذاً في المقاطعة، قاتلاً للموضوعية، ولا تجد فيه مما يعلم تلاميذه شيئاً، بل ترى سوء التربية وخبث الخلُق. وما أكثرهم.

يتكلم الداعية عن الجماعات والأحزاب فتراه أخاً ودوداً وديعاً، ولكن إذا انتقد غيره رأيته حقوداً، وإذا انتقد أحد جماعته رأيته مستميتاً في الدفاع عن الحق والباطل على حد سواء.

أمثلة كثيرة نعيشها في أنفسنا ونعيشها فيمن حولنا، ولو حكم كل منا على نفسه ألا يتكلم بشيء إلا بعد أن يكون أهلاً للالتزام به فعلياً، لقلّ الكلام في مجتمعاتنا، حتى يخالنا الغريب خرساً.

أما الذين يأمرون الناس بالمعروف ولا يفعلونه، وينهونهم عن المنكر ويفعلونه، فهؤلاء أعظم مصيبة، ويكفيني فيهم قول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه [حوايا البطن] في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلاناً ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» [البخاري وغيره] .

وإن كان الكلام قد خص أولئك في جزء منه إلا أنه عن الكثيرين ممن يتكلمون ولا يتمثلون بما يقولون، عن بسطاء الناس، مثقفيهم، دعاتهم، شيوخهم، سياسييهم، عن كل هذه الأشكال التي نراها يومياً في حياتنا، عن الأب مع أولاده، يعلمهم العدل والورع ويرونه يأكل إرث أبيه ويحرم إخوانه منه، عن الشيخ يعلم تلاميذه الرأي القطعي والرأي الظني ويرونه يدافع عن آرائه الظنية وكأنها قطعية، بل ويسفه آراء غيره، عن المتواضع قولاً ونفسه تتوق إلى التكبر والشهرة، عن الذي لا يخشى في الله لومة لائم بالقول طبعاً ولكنه أول الجبناء، عن السياسي الذي يظهر بالأقوال وكأنه الولي المصلح ولكنه بالأفعال حدث ولا حرج، عن مدعي الشرف والكرامة والمروءة وتراه يبيع نفسه بأزهد ثمن.

كل هذه حالات أُصبنا بها وشاهدناها فيمن حولنا، عشناها عملياً ونراها بشكل يومي في حياتنا بكل مناحيها وصورها.

ليتفكر كل منا حسب وضعه ومحله ودرجة علمه، هل هو بالفعل كما يقول؟ هل يلتزم فعلياً بكل ما يدعو إليه أو يعلمه غيره أو يتحدث به؟ فإن لم يكن كذلك فهي فرصة ليطابق الفعل مع القول، أو ليتوقف عن القول فوراً ولو عاش كل حياته بلا كلام.

ولنكن من صادقي اللهجة، فلا نقبل من هؤلاء أن يقولوا، بل نقف في وجوههم ونسكتهم لنخلص المجتمع من عنترياتهم وأكاذيبهم، وإن لم نفعل فنحن منهم.

قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف: 2-3]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.