عقلاء بلا عقول

هل تخيلت نفسك جالسا مع بهيمة؟ تتجاذبان أطراف الحديث، تطلب منها مساعدة: علاجاً لمرض، إشرافا على رسالة جامعية، إفادة علمية، خبرة عملية.

يحصل هذا كثيراً بل وبطبيعية خالصة وذلك عندما تكون المقاييس صحيحة لا مقلوبة، وبشكل آخر عندما تكون زاوية النظر هي المنهج الرباني الذي يعلمنا أن ننظر إلى كل شيء من خلاله.

فمثلا يقول الله تعالى: (وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) [الإسراء: 27] فالأعمى هنا ليس فاقد النظر ولكن فاقد البصر، قال الله جل وعلا: (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) [الأعراف: 198] فكيف ينظرون ولا يبصرون؟ لأن النظر هو المعاينة، والبصر هو الإدراك والعلم، وهذه الأصنام تراها تنظر إليك بعيونها ولكنها لا تدرك، وذلك كمن ينظر إليك وأنت تتكلم في أمر ولكنه ليس معك لأنه يفكر بأمر آخر وفي النهاية يقول لك: عذرا، ماذا قلت؟

ونعود إلى موضوعنا، خلق الله تعالى الإنسان والبهائم وميز الإنسان عنها بالعقل أي بالإدراك وربط الواقع بالمعلومات من أجل الحكم عليه، وهذه الميزة لا توجد عند البهائم، وبالمناسبة فإن ما نراه في البهائم من محاكاة وتقليد وقيام ببعض التصرفات ما يظنه البعض تفكيراً أو عقلاً أو ربطاً فإنه ليس كذلك، وإنما هو نوع من تذكر الإحساس بالشيء وليس أي إحساس وليس أي شيء، وإنما الإحساس الذي يرتبط بالجوعات وبالميل للجنس الآخر، فالحيوان يتذكر الشخص الذي يعطيه الطعام، ويتذكر الشيء الذي يأتيه منه الخطر، ويقوم بما يطلب منه من أعمال سيركية وغيرها إن ارتبطت بتجويعه وإعطائه الطعام، كالجرس الذي يدقونه عند تغذية البقر، وكصوت الراعي عندما ينعق بإبله بصوت معين كي تجتمع للأكل، وكذلك يميل الحيوان إلى الأنثى من بني جنسه، وهذه يشترك فيها الإنسان والحيوان على حد سواء إلا أن الإنسان يضفي عليها قدرته على التفكير، أما ارتباط الإحساس بالواقع فيما لا دخل له بالجوعات وغريزة النوع فإنه للإنسان فحسب وهو العقل وهو مناط التكليف وهو الميزة التي ميزه الله تعالى بها عن البهائم، ولذلك فإن الإنسان إذا تنازل عن هذه الميزة فإنه يصبح بهيمة مهما كان وزنه في المجتمع ومهما كانت خدماته فيه.

قال الله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف: 179] هم كالأنعام لأنهم لم يستخدموا عقولهم فتساووا مع الأنعام في عدم وجود العقل، وهم أضل من الأنعام لأنهم تخلوا عن ميزة لا تملكها الأنعام فالأنعام صارت أفضل حالا منهم لأنها لا عقل لها أصلاً.

وتجد في القرآن الكريم تصويرا آخر لهم في قوله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) [البقرة: 171] فالذي ينعق هو الراعي يصيح بالبهائم يدعوها للتجمع، وهذا الذي ينعق بالكافرين يقوم بما يقوم به الراعي ولكن الفرق أن تلك البهائم تسمع الراعي وتستجيب لدعائه أما هؤلاء فلا يستجيبون، فصارت البهائم أفضل منهم لنفس السبب السابق في الآية المتقدمة، مع ملاحظة استخدام الحاسة في الآية وليس العقل للدلالة على عدم فائدتها (صم بكم عمي) فهم يسمعون ويتكلمون وينظرون ولكن عدم الاستفادة من هذه الحواس في نقل الواقع ليدركه العقل صار كعدمها، أما البهيمة فإنها تستفيد من هذه الحواس استفادة كاملة وبالتالي فإنها لم تشذ عما خلقها الله تعالى له.

هذا النوع من البهائم أو لنقل هذه الإنسانية المعطلة منتشرة في البشرية تراها في كل ناحية وفي كل ركن، تساهم في المجتمعات بالخير أو بالشر كما تساهم البهائم الأصيلة، لا بأس، ولكنها عالة إن لم تكن أداة للشيطان يمارس من خلالها مؤامراته.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.