نماذج تستحق الاهتمام

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ جُلَسَائِنَا خَيْرٌ؟ قَالَ: (مَنْ ذَكَّرَكُمْ بِاللَّهِ رُؤْيتُهُ، وَزَادَ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَذَكَّرَكُمْ بِالْآخِرَةِ عَمَلُهُ) [رواه الترمذي، وعبد بن حميد وأبو يعلى في مسنديهما، كما في مجمع الزوائد والمطالب العالية، وجاء في المطالب: وزاد في علمكم منطقه]

ذلك لأن النظر إلى الذات القدوة أفعل في النفس من السماع عنها، وأبقى لآثار الخير في ناظرها، وقد كان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذلك الحظّ الأوفر، لمجالستهم له صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومشاهدتهم إياه وقربهم منه، فكانوا خير أمة أخرجت للناس بعد سيد الناس عليه الصلاة والسلام.

ورؤية الرجل الصالح القدوة إنما تذكّر بالله، لما يرى عليه من النور والإشراق، والأنس والطمأنينة، والمحبة والسكينة، في سَمته وهيئته وخشعته، في نطقه وصمته وإطراقه وحركته وسكونه وكل شؤونه، فلا ينظره ناظر إلا كان نظرُه إليه مذكّراً له بالله، وكانت صورته موجهة له للإقبال على الله، أولئك الذين إذا رؤوا ذُكر الله.

وقد كان هذا النوع الكريم في السلف منتشراً وكثيراً، وكان الناس يقصدون لقاءه للانتفاع بالنظر إليه، إذ كانت رؤيته وحدها تنير القلب وتحرك الصلاح في النفس، وتحبب بالدين وتذكر بالله تعالى.

قال الإمام ابن الجوزي في كتابه (صيد الخاطر) : (قد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح، للنظر إلى سمته وهديه، لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه هديه وسمته) وقال أبو طالب المكي في (قوت القلوب) : (وقد كانوا يقصدون الأمصار للقاء العلماء والصالحين، للنظر إليهم، وللتبرك والتأدب بهم) .

وجاء في كتاب (مناقب الإمام أحمد بن حنبل) لابن الجوزي: (قال أبو العباس البردعي: سمعت الحسن بن إسماعيل يقول: سمعت أبي يقول: كان يجتمع في مجلس أحمد بن حنبل زُهاءٌ على خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمس مئة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب، وحسن السمت. وقال أحمد بن سلمان النّجاد: سمعت أبا بكر بن المُطّوّعي يقول: اختلفت إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل ثنتي عشرة سنة وهو يقرأ المسند على أولاده، فما كتبت منه حديثاً واحداً، إنما كنت أنظر إلى هديه وأخلاقه وأدبه) .

وإليك أحد عشر نموذجاً من أولئك الذين كانت رؤيتهم تذكر بالله تعالى، وينتفع الناس بهديهم وسمتهم ومشاهدتهم، وها نحن الآن بعد أكثر من ألف عام نسمع أخبارهم سماعاً فننتفع بهم، فكيف بمن شاهدهم وجالسهم، نفعنا الله بعباده الصالحين:

1) كان التابعي الجليل عمرو بن ميمون الأودي الكوفي أدرك الجاهلية، ولم يلق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقدم مع معاذ بن جبل من اليمن فنزل بالكوفة، وكان صالحاً قانتاً لله تعالى، حج واعتمر مئة مرة، قال تلميذه أبو إسحق السبيعي: كان إذا رؤي ذكر الله تعالى، توفي سنة 75 رحمه الله تعالى. [تهذيب التهذيب وتذكرة الحفاظ للذهبي] .

2) وكان التابعي الجليل والإمام الفقيه محمد بن سيرين البصري المتوفى سنة 110 رحمه الله تعالى، إذا جلس إليه الناس حدثهم وتحدثوا إليه وضحك وسأل عن الأخبار فإذا سئل عن شيء من الفقه والحلال والحرام تغير لونه وتبدل، حتى كأنه ليس بالذي كان، وكانوا إذا ذكروا عنده رجلاً بسيئة ذكره بأحسن ما يعلم، قال تلميذاه هشام بن حسان الأزدي وأيوب بن كيسان السختياني البصريان: ما رأينا أحداً أعظم رجاء لأهل القبلة من ابن سيرين. [الطبقات الكبرى لابن سعد] وكان إذا ذكر الموت مات كل عضو منه، وكان إذا مرّ في السوق فما يراه أحد إلا ذكر الله تعالى. [العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد، تاريخ الإسلام وتذكرة الحفاظ للذهبي] .

3) وكان الإمام الحسن البصري التابعي الجليل المتوفى سنة 110 رحمه الله تعالى على شاكلة صاحبه وبلديّه وعصريّه الإمام ابن سيرين: إذا رؤي ذُكر الله تعالى، قيل ليونس بن عبيد: أتعرف أحداً يعمل بعمل الحسن البصري؟ فقال: والله لا أعرف أحداً يقول بقوله فكيف يعمل بعمله؟ ثم وصفه فقال: كان إذا أقبل فكأنه أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس فكأنه أُمر بضرب عنقه! وإذا ذُكرت النار فكأنها لم تُخلق إلا له.

قال أشعث بن عبد الله أحد أصحابه: كنا إذا دخلنا على الحسن، خرجنا ولا نعُدُّ الدنيا شيئاً. وقال يونس بن عبيد: كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به وإن لم ير عمله ولم يسمع كلامه. [من الحلية لأبي نعيم، والبداية والنهاية لابن كثير]

وقال مطر الوراق: كان جابر بن زيد رجل أهل البصرة فلما ظهر الحسن جاء رجل كأنما كان في الآخرة فهو يخبر عما رأى وعاين. [من تهذيب التهذيب]

4) وقال جعفر بن سليمان: كنت إذا وجدتُ في قلبي قسوة، غدوت فنظرت إلى وجه محمد بن واسع البصري كأنه ثكلى. [من تاريخ الإسلام للذهبي] وهو تلميذ الإمام الحسن البصري، وأحد العلماء العباد والصلحاء الزهاد المجاهدين في سبيل الله، توفي سنة 132 رحمه الله تعالى.

5) وكان الإمام الحافظ هشام بن حسان القُردوسي البصري، المتوفى سنة 148 رحمه الله تعالى، من البكائين العابدين، أُحضِر إلى بابه الجمل والزاد والسفرة ليحج فشق ذلك على أمه وأخذها شبه الرعدة، فبَطَّل سفره للحج من أجلها، فلما توفيت كان لا يدع الحج، وكان يديم الصوم سوى يوم الجمعة من أجل أمّه، فلما ماتت سرد الصوم. وقال حماد بن سلمة كانت رؤية هشام بن حسان تُبكي. [تذكرة الحفاظ]

6) وجاء في ترجمة المحدث الثقة عبد الله بن شوذب الخراساني البلخي، المتوفى سنة 156 رحمه الله تعالى: سكن البصرة، ثم بيت المقدس، قال تلميذه كثير بن الوليد: كنت إذا نظرت إلى عبد الله بن شوذب ذكرت الملائكة. [تهذيب التهذيب]

7) وجاء في ترجمة عبد العزيز بن أبي روّاد المكي، المتوفى سنة 159 رحمه الله تعالى: قال عبد الله بن المبارك فيه: كان يتكلم ودموعه تسيل على خده. وقال تلميذه شعيب بن حرب: كنت إذا نظرت إلى عبد العزيز بن أبي روّاد، رأيت كأنه يطّلع إلى القيامة. أي ينظر إلى أهل القيامة وهم فيها. [تهذيب التهذيب]

8) وجاء في ترجمة الإمام مالك بن أنس عالم المدينة وإمام المذهب المالكي، المتوفى سنة 176 رحمه الله تعالى: قال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذُكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنده تغير لونه وانحنى، حتى يصعُب ذلك على جلسائه، فقيل له يوماً في ذلك، فقال: لو رأيتم لما أنكرتم عليَّ ما ترون، كنت آتي محمد بن المنكدر وكان سيد القراء -أي سيد العلماء- لا نكاد نسأله عن حديث إلا بكى حتى نرحمه. ولقد كنت آتى جعفر بن محمد -هو الإمام جعفر الصادق- وكان كثير المزاح والتبسم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اخضر واصفر، وقال مالك: كلما أجد في قلبي قسوة آتي محمد بن المنكدر -وكان يجتمع عنده الصالحون ليقتبسوا من هديه وصلاحه- فأنظر إليه نظرة فأتعظ بنفسي أياماً. [ترتيب المدارك للقاضي عياض]

9) وجاء في ترجمة الإمام العابد الزاهد المحدّث الفُضيل بن عياض، الخراساني ثم المكي، المتوفى سنة 187 رحمه الله تعالى: قال إبراهيم بن الأشعث خادم الفضيل: ما رأيت أحداً كان الله في صدره أعظم من الفضيل، كان إذا ذُكر الله عنده أو سمع القرآن ظهر به من الخوف والحزن وفاضت عيناه فبكى حتى يرحمه من بحضرته. قال خالد بن رباح: قال لي عبد الله بن المبارك: إذا نظرت إلى الفضيل جدد لي الحزن ومقتُّ نفسي! ثم بكى. [تهذيب التهذيب]

10) وجاء في ترجمة الحافظ الإمام القدوة العابد الناسك عبد الله بن داود الخُريبي الكوفي، المتوفى 213 رحمه الله تعالى قول الإمام العابد محدث العراق وراهب العراق وكيع بن الجراح: النظر إلى وجه عبد الله بن داود عبادة. [تذكرة الحفاظ]

11) وجاء في ترجمة العبد الصالح والإمام المحدث الخاشع عبد الله بن مسلمة القعنبي المدني ثم البصري، المتوفى سنة 221هـ رحمه الله تعالى، الذي قال فيه الإمام مالك -لما قيل له: قدم القعنبي إلى المدينة: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض. جاء في ترجمته أنه كان إذا مرَّ بمجلس يقولون: لا إله إلا الله. [تذكرة الحفاظ]

ومثل هؤلاء السادة في رجال السلف غير قليل، وما أجمل ما قيل فيمن كان من هذا القبيل:

إذا سكن الغدير على صفاء ،،،، وجُنِّب أن يحركه النسيمُ

بدت فيه السماء بلا امتراء ،،،، كذاك الشمس تبدو والنجومُ

كذاك (وجوه) أرباب التجلي ،،،، يُرى في صفوها الله العظيمُ

وأما قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وزاد في علمكم منطقه» فقد قال الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: لمجلس كنت أجالسه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أوثق في نفسي من عمل سنة.

وجاء في كتاب العلل ومعرفة الرجال لابن حنبل وفي وفيات الأعيان لابن خلكان في ترجمة التابعي الجليل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة السبعة، الرجل الصالح الجامع للعلم البحر الشاعر الرقيق المبدع المتوفى سنة 99 رحمه الله تعالى ما نصه:

(قال عمر بن عبد العزيز: لأن يكون لي مجلس من عبيد الله أحب إلي من الدنيا وما فيها، وقال أيضاً: والله إني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال. فقالوا: يا أمير المؤمنين، تقول هذا مع تحرّيك وشدة تحفظك؟ فقال: أين يُذهب بكم؟ والله إني لأعود برأيه وبنصيحته وبهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف، إن في المحادثة -يعني له ولمثله- تلقيحا للعقل، وترويحاً للقلب، وتسريحا للهم، وتنقيحا للأدب) اهـ

وقد صدق رضي الله عنه، وما أصدق ما قيل:

وما بقيت من اللذات إلا ،،،، محادثة الرجال ذوي العقول

[من هامش الشيخ العالم عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله على كتاب رسالة المسترشدين للحارث المحاسبي]

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.