القناعة لا تنقض إلا بمثلها: الفئة الأولى

لا خلاف أن الفكر منضبط بشكل أدق وأصح وأكثر التزاماً من العواطف والروحانيات وما شابهها، ذلك أن الفكر يحكمه فهم الأدلة، والالتزام بمقتضاها، ولذلك فإن الفكر المضطرب يصعب تغييره إن وجد إلا بالقناعة التي تنقضه إلى فكر آخر. فالقناعة لا ينقضها الوهم والخيال والظن بل هي حكم عليهم، لأنها لا تنقض إلا بمثلها، ولذلك كان من الصعب تغيير الفكر الذي وجد عن قناعة إلا بالقناعة ذاتها.

وإذا ما انضبطت عقلية الإنسان بحسب العقيدة، وصار عنده المقياس الذي يقيس به الأفكار، فإنه يكون بمنأى عن الانحراف الفكري، وتكون دائرة الأمان التي هو فيها كافية لتجعله مستقراً فكرياً حيث التناسق بين أفكاره التي بنيت على قاعدة واحدة ثابتة لا تتغير.

ولذلك نجد أن الخلق المكلفين منذ أن خلقهم الله جل وعلا بين فئتين: فئة مضطربة فكرياً تحتاج إلى ما يصحح فكرها أو يوجد عندها القناعة لتنقلب فوراً إلى الحق دون أي تردد، وهذه الفئة تكمن مشكلتها في القناعة أي في الفكر، وهم قلة على كل حال، إذ ما آمن بالرسل على مر العصور إلا القلة.

وفئة تعرف الحق وتدرك أنها على ضلال، ولكنها لا تريد اتباعه، لكبر أو لحسد أو لغيرة، أو لتضارب الحق مع مصالحها الدنيوية، وهذه فئة مريضة وتكمن مشكلتها في الهوى لا في العقل وأهلها هم الأكثرية.

الفئة الأولى:

المثال الأول: سحرة فرعون: (وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (113) قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم (116) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (119) وألقي السحرة ساجدين (120) قالوا آمنا برب العالمين (121) رب موسى وهارون (122) قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (124) قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين) [الأعراف: 113-126] .

فهؤلاء السحرة كانت مشكلتهم عقلية، لأنهم بمجرد أن أدركوا أن سيدنا موسى عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام على حق انقلبوا إليه رغم أن وعد فرعون لهم بالمكافأة لم يزل قائماً، ورغم التهديد الذي تلقوه من فرعون بالتقطيع والصلب والقتل فإنهم لم يرجعوا عن قناعاتهم، ونلفت النظر هنا إلى أنهم عندما ردوا على فرعون في نفس اللحظة لم يردوا بصورة كفار آمنوا في التو واللحظة، بل ردوا بصورة علماء متمكنين (قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين) وهذا يدل على أنهم استوعبوا من قبل كل ما طرحه سيدنا موسى عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وكان كل ذلك في مكنون صدورهم، كما حصل مع سيدنا حمزة عليه رضوان الله تعالى، فهو لم يسلم لحادثة اعتداء أبي جهل على سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام كما يظن البعض وإنما لقناعة في نفسه لأنه أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو عمه وأخوه بالرضاعة وابن خالته وقد سمع منه وعرف رسالته، وهكذا السحرة، إلا أن المشكلة الوحيدة عندهم كانت في اتصال النبي بالخالق، أي هل صحيح أن هذا الرجل مرسل من الله؟ ولذلك فإنهم بمجرد ما إن رأوا المعجزة آمنوا وتحولوا من كفار معاندين إلى مؤمنين مدافعين، وتنازلوا عن كل شيء مقابل الثبات على قناعاتهم التي تحولوا إليها. ولذلك لم يكن إرسال الرسل أمراً طارئاً على العقل البشري لا يستطيع أن يستوعبه، بل هو أمر طبيعي لأنه يوجِد القناعة بالإثبات، والقناعة بالإثبات إن وجدت لا ينقضها أي شيء آخر، فمن أدرك وجود الخالق لا يتشكك في وجوده أبداً مهما كانت عوامل الشكوك داخلية أو خارجية، ودليل الوجود الواحد يغني عن مئات الأدلة ولا ينقضه شيء، ومن رأى ما يثبت له أن هذا الرسول مرسل من عند الله تعالى، لا يتشكك في رسالته، بل ينتقل طبيعياً إلى الخطوة الثانية وهي التلقي.

المثال الثاني: سادة قريش: أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، علي بن أبي طالب، عبد الرحمن بن عوف، مصعب بن عمير، الأرقم بن أبي الأرقم، أبو عبيدة عامر بن الجراح، حمزة بن عبد المطلب، عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنهم جميعاً، وهؤلاء أيضاً لم تكن مشكلتهم نفسية كذلك، بل كانت في القناعة، ولو قلنا جدلاً أن بلالاً وعماراً وسمية وعامراً وحمامة وزنيرة وصهيباً وخباباً آمنوا بسيدنا رسول الله عليه السلام لأنهم يريدون التخلص من العبودية ولأنهم يبحثون عن المساواة (كما يزعم بعض المثقفين وأسيادهم المستشرقون) ، فإن هذه القرينة لا توجد عند سادة قريش الذين ذكرناهم، بل إنهم خسروا كل شيء (دنيوي) بمجرد أن آمنوا، فأبو بكر فقد مكانته ووصل به الحال أن يكون مستجيراً بعد أن كان سيداً، ومصعب (الفتى المدلل) فقد كل شيء حتى أنه لم يكن لديه من اللباس إلا البالي من الثياب، وطلحة أهين بالضرب والتقييد، وكذلك عثمان بن مظعون وغيرهم، فهؤلاء خالون تماماً من أي قرينة تجعلهم في فريق بلال وصحبه (على حد زعم الزاعمين) ، إذ إن المشكلة عندهم كانت في القناعة ولذلك فبمجرد أن حصلت عندهم القناعة لم يتأخروا ولم يترددوا.

هذه الفئة صافية من حيث النفسية متجردة من كل ما يمنعها من الانقياد للحق، فهي لا تحمل أحقاداً، ولا تبحث عن هواها لتتبعه، ولكنها تريد الحق خاضعة له لا متكبرة عليه، ولذا كان من السهل انقيادها له، لأن الفكر إن كان هو الحكم فلا مشكلة حينئذ.

ونرجئ الحديث عن الفئة الثانية لاحقاً.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.