عدم القناعة عذر قبيح: الفئة الثانية

تحدثنا في الكلمة السابقة عن الفئة التي تقف عند باب الحق ولا يمنعها من الدخول إلا القناعة، فهي مفتاح هذا الباب، ولذلك فهي تستجيب للحق طبيعياً وبدون أي تكلف.لأنها نجت في الأصل من أمراض القلوب التي تدنس القناعة وتطمسها.

ولكن المشكلة؛ كل المشكلة تكمن في النفسيات المريضة التي ترى الحق وهي مقتنعة به، ولكنها لأسباب شتى تنحرف عنه وتنفر منه، وهي على أية حال لا تصرح بمرضها، بل تتذرع بعدم القناعة كي لا تتبع الحق، وهذا أمر طبيعي في النفس البشرية، هل رأيت يوماً من يصرح لك بقوله: أنا مقتنع ولكني أتبع هواي وشهوتي؟ لا، بل إن المجرم بيّن الإجرام يتعذر لجريمته ولا ينسبها لهواه وشهوته. ولا ينفك يبحث عن مبررات لفعلته مهما كانت سخيفة أو ساذجة، وهذا ما يحتاج إلى حذر في التعامل مع هذه الأصناف كما سيأتي.

ولنضرب بعض الأمثلة على هذه الفئة الثانية:

المثال الأول: إبليس الرجيم: سيد هذه الفئة ومعلمها الأكبر هو إبليس، فهذا المخلوق كان من العابدين، ولكنه لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام استكبر غيرة وحسداً، (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) [البقرة: 34] ، (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) [الأعراف: 12] (قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا) [الإسراء: 62] ، فمشكلته إذن لم تتعلق بقناعة ما، أو بفكرة يراد نقاشها حتى تتضح، أو بصواب أو خطأ، أو بعدم فهم الأمر للبس فيه، ولكنها كانت في حسده وغيرته، إذ ظن أنه أفضل من سيدنا آدم، وعليه كانت النتيجة: كيف أسجد لمن هو دوني؟ فكان العناد. ثم إنه يقول: (قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر: 39] وهذا مبرر قبيح يدل على اعترافه الضمني بمرضه، فهو يلقي باللائمة على رب العزة، وكأنه لا ذنب له.

روى ابن جرير عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين رحمهم الله جميعاً، قول الأول: قاس إبليس وهو أول من قاس. وقول الثاني: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس ولا القمر إلا بالمقاييس. وقال شيخنا حسن أيوب المنوفي عليه رحمة الله واسعة في قصص الأنبياء: (ومعنى هذا أنه نظر إلى نفسه بطريق المقايسة بينه وبين آدم، فرأى نفسه أشرف من آدم عليه السلام، فامتنع من السجود له، مع وجود الأمر له ولسائر الملائكة بالسجود، والقياس إذا كان مقابلاً بالنص كان فاسد الاعتبار، فإن الطين أنفع وخير من النار، لأن الطين فيه الرزانة والحلم والأناة والنمو، والنار فيها الطيش والخفة والسرعة والاحتراق) . انتهى

والعبرة مما حصل مع هذا المخلوق أن نفهم أن النظر عند القيام بتنفيذ الأمر يجب أن يكون متوجهاً للآمر أي لصاحب الأمر لا للمأمور له أو به، فالعبرة بمن أمر بالأمر وليست بالأمر نفسه، هذا ما يجب أن نفهمه ونرسخه في نفوس أبنائنا وبناتنا وخاصة في هذا الزمن الذي صارت أوامر الله تعالى فيه لا قيمة لها إلا كشكليات تقبل وترفض حسب التشهي، وصار قبول أوامر الله بناء على الأوامر نفسها وليس بناء على مصدرها، فتوضع على طاولة الهوى والتشهي والواقع والاستجابة لضغوط المجتمع المتعددة فإن وافقت وإلا رفضت بحجة عدم القناعة.

لما نزل قوله جلّ وعلا: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) [النساء: 66] قال أبو بكر الصديق: لو كتب ذلك علينا أنا أول خارج. وقال ثابت بن قيس بن شماس: لو أمرني رسول الله عليه الصلاة والسلام أن أقتل نفسي لفعلت. وكذلك قال عُمر وعمارُ بن ياسر وابنُ مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي الله عن صحابته أجمعين: لو أمرنا لفعلنا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: (إنَّ مِن أُمَّتِي رِجَالاً: الإيمَانُ في قُلُوبِهِم أثبَتُ مِنَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي) [ابن أبي حاتم والمنذري بإسناد مرسل وهو من الحسن] فهؤلاء من القليل الذين ذكروا في الآية كما قال العلماء.

وها هي صورة أخرى تجسد لنا هذه الحقيقة، قال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء الله مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) [الصافات: 102-107] فسيدنا إبراهيم وابنه اسماعيل عليهما السلام لم ينظرا للمأمور به ولا للمأمور له وإنما نظرا للآمر، ومع شدة الأمر وصعوبة تنفيذه عليهما إلا أنه عندما يوضع ذلك كله في كفة مقابل كفة الآمر فإن كفته تطيش، إذ لا مقارنة ولا جدال، فالأب استسلم لأمر الله وهو جاهز لتنفيذه مع صعوبته لأنه بالفعل بلاء مبين، والابن استسلم لتنفيذ الأمر كذلك فهو مناطه وموضوعه، ولو قال الأب: كيف أذبح ابني؟ وقال الابن: كيف أقبل أن أُذبح على يد أبي؟ فماذا يصير؟

ومن ناحية أخرى نجد أن إبليس استكبر وعصى فكفر ولُعن، رغم أنه يعلم أن الله هو الحق، وأنه هو الذي خلقه (خلقتني من نار وخلقته من طين) كما يعلم أنه لن يستطيع أن يكمل تحديه لله جل وعلا إلا بموافقة الرب سبحانه، لأنه ميت ككل الأموات ولذلك طلب المهلة (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين) [ص: 79-80] ثم إنه في تحديه يقسم بعزة الله (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين) [ص: 82] .

ومع هذا كله فإنه (إبليس) ينقلب حاله يوم القيامة إذ يتحول من العاصي المتكبر الكافر الملعون إلى الناصح الأمين التائب المعترف ولكن لا فائدة حينئذ: (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين) [الحشر: 16] ، (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم) [إبراهيم: 22] .

فهل يتصور واحد منا أن إبليس لم يكن مقتنعاً؟ أو أن له حجة واحدة فيما فعله؟

المثال الثاني: أبو جهل: لم يكن أبو جهل بعيدا عن خط سيده ومعلمه إبليس اللعين، فهو من الذين ناصبوا العداء لسيدنا رسول الله عليه السلام من أول يوم إلى لحظة مقتله، وكانت مشكلته كذلك هي مشكلة إبليس، الحسد والغيرة والكبر، فعن المغيرة بن شعبة قال‏:‏ أول يوم عرفت فيه رسول الله عليه السلام أني كنت أمشي مع أبي جهل بمكة فلقينا رسول الله عليه السلام فقال له‏:‏ يا أبا الحكم‏،‏ هلم إلى الله وإلى رسوله وإلى كتابه، أدعوك إلى الله. فقال‏:‏ يا محمد،‏ ما أنت بمنته عن سب آلهتنا، هل تريد إلا أن نشهد أن قد بلغت، فنحن نشهد أن قد بلغت، فانصرف رسول الله عليه السلام، فأقبل علي فقال‏:‏ والله إني لأعلم أن ما يقول حق‏!‏ ولكن بني قصي قالوا‏:‏ فينا الحجابة، فقلنا‏:‏ نعم، قالوا‏:‏ ففينا القرى، فقلنا‏:‏ نعم. ثم قالوا‏:‏ فينا الندوة، فقلنا‏:‏ نعم، ثم قالوا‏:‏ فينا السقاية، فقلنا‏:‏ نعم، ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكّت الركب قالوا‏:‏ منا نبي، والله لا أفعل‏) . [البيهقي]

المثال الثالث: قوم سيدنا إبراهيم عليه السلام وعلى رسولنا وآله أفضل الصلاة والسلام، (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون (63) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) [الأنبياء: 64-65] يقول ابن عطية: (ثم ارتبكوا في ضلالهم ورأوا بالفكرة وبديهة العقل أن الأصنام لا تنطق فساقهم ذلك حين نطقوا عنه إلى موضع قيام الحجة عليهم، وقوله (ثم نكسوا على رؤوسهم) استعارة للذي يرتطم في غيه كأنه منكوس على رأسه، فهي أقبح هيئة للإنسان، وكذلك هذا هو في أسوأ حالات النظر … فلما غلبهم إبراهيم عليه السلام من جهة النظر والحجة نكسوا رؤوسهم وأخذتهم عزة بإثم وانصرفوا إلى طريق الغشم والغلبة فقالوا: حرقوه) [المحرر الوجيز] .

المثال الرابع: فرعون وقومه: (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) [النمل: 13-14] ذلك أنه بعد أن جاءهم سيدنا موسى عليه السلام وعلى رسولنا أفضل الصلاة والسلام بالآيات، جحدوا بها، مع أن الله تعالى قال: مبصرة أي أنها كانت آيات واضحة لا لبس فيها، إلا أنهم جحدوا بها تكبراً وظلماً، لا عن عدم قناعة.

المثال الخامس: قوم نوح، (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا) [نوح: 7] فهم يسدون آذانهم ويضعون ثيابهم على رؤوسهم كي لا يسمعوا من النبي شيئاً، فهل هذا حال من يريد القناعة؟ لا. ولذلك قال تعالى (وأصروا واستكبروا استكبارا) .

ولن تجد فئة من الفئات التي ذكرناها تعترف بالحقيقة كما بينا في المقدمة، بل الكل لم يقتنع والكل مظلوم والكل برئ والكل يدخل معك في جدال ظاهره عدم القناعة ومناقشة الحجة بالحجة وباطنه أمراض القلوب من الهوى والشهوة والحسد والغيرة، وأمثال هؤلاء يحتاجون إلى علاج لنفوسهم وليس لعقولهم، ما لم يكن علاجَ العقول الحججُ الداحضةُ التي تكشف حقيقة غوايتهم، فإن لم يستجيبوا كان ذلك كله مؤثراً بمن يتبعهم.

قال تعالى: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء الله إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا الله الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ) [فصلت: 20-24]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

 

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.