ما أرخص الهرة لولا الجمل! الجزء الثاني والأخير

استكمالاً للكلمة السابقة:

أما السنة فقد ورد فيها ما رواه أبو داود عن الرسول عليه الصلاة والسلام قوله: (إنَّ المرأةَ إذا بلغتِ المحيضَ لم يصلحْ أن يُرى منها إلا وجهَها وكفَّيها) وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (مَن جرَّ ثوبَهُ خيلاءَ لم ينظُرِ اللَّهُ إليهِ يومَ القيامةِ، فقالَت أمُّ سَلمةَ: فَكَيفَ يصنَعُ النِّساءُ بذيولِهِنَّ؟ قالَ: يُرخينَ شبرًا. فقالت: إذًا تنكشفَ أقدامُهُنَّ. قالَ: فيُرخينَهُ ذراعًا، لا يزِدنَ علَيهِ) [رواه الترمذي والنسائي] .

قال ابن هبيرة في الإفصاح نقلاً عن الأئمة الأربعة في عورة المرأة ما نصه: (فقال أبو حنيفة كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين وقد روي عنه أن قدميها عورة، وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وقال أحمد في إحدى روايتيه كلها عورة إلا وجهها وكفيها كمذهبهما والرواية الأخرى كلها عورة إلا وجهها خاصة وهي المشهورة ولها اختار الخرقي) [1/118] .

وقال ابن عبد البر في التمهيد: (وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه، لأنها كلها عورة إلا الوجه والكفين، على هذا أكثر أهل العلم وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة، والإحرام وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وهو قول الأوزاعي وأبي ثور: على المرأة أن تغطي منها ما سوى وجهها وكفيها) [6/364] وفي هذا رد على من زعم أن علماءنا الكرام لم يجمعوا على لباس المرأة الشرعي الذي تناقلته الأمة جيلاً بعد جيل.

ثم إن في السنة تفصيلاً لبيان بعض ما أجمله القرآن الكريم من الزينة كالتعطر والشهرة والتشبه بالرجال والعكس، جاء في الحديث: (أيما امرأةٍ استعطرتْ فمرتْ على قومٍ ليجدوا من ريحِها فهي زانيةٌ) [أحمد والنسائي وأبو داود] وجاء أيضاً عن النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيباً) [أحمد وابن سعد والنسائي] وقوله عليه وآله أفضل الصلاة والسلام: (أيُّما امرأةٍ أصابت بَخورًا، فلا تشهَدْ معنا العِشاءَ الآخرةَ) [مسلم والنسائي] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (لعنَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ الرَّجلَ يلبسُ لُبسةَ المرأةِ ، والمرأةَ تلبسُ لُبسةَ الرَّجلِ) [ابن حبان وأبوداود]

وكذلك لباس الشهرة في قوله عليه الصلاة والسلام:

(مَن لبسَ ثوبَ شُهْرةٍ في الدُّنيا، ألبَسَهُ اللهُ ثوبَ مذلَّةٍ يومَ القيامةِ ، ثمَّ ألهبَ فيهِ نارًا) [ابن ماجه والمنذري]

وقد يقول قائل أو تتساءل فتاة: إن اللباس السائد هو اللباس المعروف عند العرب في الجاهلية وكان هو لباس النساء في الإسلام ولم يكن لباساً خاصاً بالمسلمات مثله مثل أي لباس كان الناس يلبسونه رجالاً ونساء كالإزار والقميص وغيره، ولذا فلا يصح إلزام المرأة بلباس كان عادة جارية في الجاهلية والإسلام.

والرد عليه أنه لو كان كذلك فلم جاءت الآيات لتفصل فيه؟ بمعنى أننا لو فرضنا أن لباس النساء في الإسلام هو لباس النساء قبل الإسلام، فلم جاءت الآيات والأحاديث لتفصل فيه وتبين أحكامه؟ أما كان الأولى ترك الناس يلبسون كما يشتهون أو كما تعودوا عليه قبل الإسلام؟ ثم إن في القرآن والسنة ما ينفي هذا الزعم: فقد قال تعالى في سورة الأحزاب: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) [الأحزاب: من الآية 33] مما يدل على أن في الجاهلية تبرجاً للمرأة نهى عنه الشرع وجاء بما يخالفه، وجاء عن أم سلمة عليها رضوان الله تعالى: لَمَّا نَزَلَتْ : (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ) خَرَج نِسَاء الأنْصَار كأن على رُؤوسهن الغِرْبَان مِن الأكْسِيَة. [أبو داود] ما يفهم منه مخالفة اللباس الشرعي لما كان عليه لباس المرأة في الجاهلية، ولو قلنا أن الخمار والدرع وغيرهما من الملابس كانت هي الدارجة فإن الإسلام جاء بضبط أحكام اللباس كتغطية الرأس كاملاً دون ظهور الأقراط المتدلية من الأذنين، وكذلك تغطية الجيب، والنهي عن الرقيق من الثياب فلا يصف ولا يشف، وهذا ما دلت عليه النصوص.

وروى ابن أبي حاتم عن صفية بنت شيبة قالت : بينا نحن عند عائشة، قالت: فذكرنا نساء قريش وفضلهن. فقالت عائشة رضي الله عنها: إن لنساء قريش لفضلاً وإني -والله- ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً بكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل. لقد أنزلت سورة النور (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابة، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به، تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح معتجرات، كأن على رءوسهن الغربان. ورواه أبو داود، ولو كان اللباس نفسه في الجاهلية والإسلام لما استدعى هذا التغيير تلبية لحكم الله تعالى، ولما قالت أم المؤمنين: تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه.

أما بنات المسلمين اللاتي استجبن للباس الشرعي ولكن خالفن في أحكامه، كألا يكون ساتراً يغطي الجسم كله، أو ما اعتادت عليه بعض النساء كتغطية الشعر دون الرقبة والأذنين، أو لبس البنطال، فإنهن أولى المسلمات بالالتزام باللباس الشرعي الصحيح، لأنهن اجتزن الخطوة الأولى وهي الاستجابة، ولكنهن تجاوزن في التطبيق كما أمر الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام.

وختاماً فإن كل المسلمين يعلمون أنه ليس هناك لباس خاص للصلاة، بل هو لباس واحد، وعليه فإني أتوجه إلى كل امرأة مسلمة -استجابت أو لم تستجب- بأن تقف دقيقة واحدة أمام المرآة وتسأل نفسها: لماذا إذا أردت الصلاة التزمت باللباس الشرعي كاملاً ودون زينة ولا تبرج؟ وإذا خرجت من بيتي لم ألتزم بنفس اللباس، مع أني أعلم علم اليقين أنه لباس واحد للصلاة ولغيرها، مواصفاته أن يغطي العورة وألا يكون ملتصقاً بالجسم وألا يكون ملفتاً للنظر وغير ذلك مما بينه الشرع.

وأخيراً، فإن الله الذي أقف أمامه في صلاتي مرتدية اللباس الشرعي الذي أمرني به، هو نفسه الله الذي أمرني بنفس اللباس عندما أخرج من بيتي؟ فهل يصلح هذا التناقض؟

أسأل الله تعالى أن يهدي نساء المسلمين وأن يشرح صدورهن للاستجابة لأوامر الشرع، وأن يعينهن على ضغوط الواقع، إنه على كل شيء قدير.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.